الأخبار العاجلة

المجلات الثقافية هل يبتلعها الثقب الرقمي؟

إبراهيم ناصر المليفي ـ الكويت:

لا يمكن فصل الحديث عن حضور ومستقبل المجلات الثقافية، في ظل الإقبال المتزايد على استعمال الشاشات والألواح الرقمية، دون الحديث عن منظومة العوامل التي أخرجت تلك المجلات إلى حيز الوجود. فلو كان السؤال مثلاً: ما هي أفضل مجلة ثقافية في الوطن العربي، ولماذا؟ لكان الجواب أمراً هيناً، لأنه مرتبط بالرأي المختمر في عقل صاحبه أياً كان، ولكن أن يكون السؤال عن مصير منتج تسبقه منظومة تجارية متقلبة، فمن المؤكد أن الجواب لن يكون سطحياً بتاتاً.

رؤية مضللة لواقع لم يكتمل
قبل الخوض في مسألة مستقبل المجلات الثقافية، لا بد أولاً من التوقف أمام القوالب التي تقدم لنا بوصفها حقائق، مثل: زوال مرحلة الصحيفة الورقية ونهاية الكتاب التقليدي. والمنبع الرئيس لتلك القوالب هم أصحاب المصلحة في رواج أجهزة الهواتف الذكية، وجميع الحواضن الرقمية المؤهلة للحلول مكان الصحف والمجلات والكتب الورقية. يضاف إليهم المهووسون باستعمال تلك الأجهزة الذين ينطلقون بنظرتهم للعالم من خلال واقع ضيق ترسمه لهم البنية التحتية الرقمية التي يعيشون فوقها، وتوحي لهم بأن العالم بأكمله أصبح قرية رقمية! ألا يعلم هؤلاء المهووسون أن مناطق كثيرة في العالم لا تنعم بخدمة الكهرباء؟
السؤال التالي: ماذا عن الأجيال التي لا تزال تفضل استعمال الورق وسيلةً للقراءة ومعرفة أخبار العالم؟ هؤلاء لا يزالون في نظر ملاك الصحف ودور النشر يشكلون وزناً يرجح كفة ميزان الأرباح على الخسائر بدليل استمرار صدور الصحف والمجلات في أعتى مناطق التطور التكنولوجي؟
ربما يقول قائل إن الدول المتقدمة تقنياً ليست بحاجة المناطق المتأخرة في عملية الانتقال إلى العالم الرقمي، خصوصاً أنها لا تملك القدرة على إجبار العالم أن يواكب سرعتها في الرقمنة، ولكن من المؤكد أن شبق الشركات الكبرى لتعظيم أرباحها وفتح أسواق جديدة سيدفعها إلى التدخل الناعم في الدول المتأخرة لتأهيل بنيتها الرقمية، وجعل التكنولوجيا الحديثة في متناول اليد، كما حصل مع الهواتف المتنقلة – وليس الذكية – التي خلقت عالماً جديداً من التواصل الفعال بين البشر، بدأ التحول أولاً بطيئاً ثقيلاً في وزنه وباهضاً في ثمنه وسيئاً في جودة تواصله، وخلال عشرين سنة فقط أصبح الهاتف المتنقل ضرورة من ضرورات الحياة، تلك الأداة الجديدة ما زالت تتمدد ولكنها لم تمسح الهواتف المنزلية التقليدية من الوجود.
خلاصة القول في هذا الجانب: إن الهواتف الذكية هي الحاضن الأبرز لقراءة صحافة المستقبل الرقمية. وحتى يتم الإعلان النهائي عن توقف صدور الصحف الورقية في طوكيو وفرانكفورت ونيويورك، يمكن البدء بالحديث عن قرب موعد أفول عالم الورق بأكمله.

مشروع تجاري لا حماس ثقافي
يكشف مصطلح (المجلات الثقافية) أولى ركائز الجواب عن مستقبل المجلات الثقافية، ففي عالم الصحافة العربية لا توجد -حسب معرفتي- صحيفة يومية ثقافية من الغلاف إلى الغلاف، نعم قد توجد صحيفة أو ملحق رياضي يومي، ولكن من المؤكد أن الصحافة الثقافية لا تأخذ غير الأشكال التالية (صفحة يومية أو أسبوعية أو ملحق أسبوعي)، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، دست بعض الكتب الشهرية من القطع الصغير في أحشاء بعض الصحف اليومية العربية، وهي نتاج شراكات ثقافية واعدة. هذا المشهد، وهو محدودية مساحة الشؤون الثقافية، لم يفرضه أصحاب المؤسسات الصحافية، بل حددته آليات الطلب والعرض، وشروط البقاء داخل دائرة المنافسة، بمعنى آخر يلعب حجم شريحة القراء دوراً رئيساً في سياسة تبويب أي صحيفة أو مجلة، والذي بدوره يجلب الإعلان التجاري الذي يمثل عصب الحياة، خصوصاً في المطبوعة التي يملكها القطاع الخاص. لذلك ليس من المستغرب مثلاً أن تفرد الصحف اليومية خمس صفحات وأكثر للرياضة، ويضحى بصفحة الثقافة في أول مزاد إعلاني على قاعدة أولوية النشر، لأن الأولى يحميها جمهور عريض قد يتحول لأي صحيفة منافسة، والثانية لا يتابعها غير جمهور نخبوي محدود التأثير.
بناء على ما سبق، يتضح لنا لماذا توجد فقط مجلات ثقافية وليس صحفاً ثقافية، لأن العملية برمتها مشروع تجاري متشابك مع حسابات الربح والخسارة أكثر بكثير مما هو مرتبط برغبات صادقة لمجموعة من المفكرين والمثقفين لنشر رؤاهم الإصلاحية والتنويرية، قد ينجحون بوقود الحماس والإقبال الجيد في البداية لفترة من الزمن، ولكن سرعان ما تنعى تلك المطبوعة نفسها لضعف مصادر تمويلها.

التمويل سر البقاء
طالما توافر المال فإن المجلات الثقافية ستبقى وتصدر في مواعيدها، ولكن هل البقاء هو الهدف النهائي؟ من هنا سنبدأ في الركيزة الثانية للإجابة عن السؤال المطروح أول هذا المقال. البقاء أو الاستمرار نوعان من زاوية التمويل، التمويل الخاص واجه قبل زمن الإنترنت والهواتف الذكية مصاعب جمة، والآن تواجه المجلات على اختلاف صنوفها مصاعب حقيقية، وهي مرشحة أكثر من الصحف اليومية للتحول إلى النشر الإلكتروني أو الاختفاء النهائي، لانحسار الإعلان التجاري عنها. ما يتبقى لنا هو المجلات الثقافية الممولة من الدولة. التمويل الرسمي للمجلة الثقافية يمثل ضمانة مادية ومعنوية للعاملين فيها، وكذلك قيمة مضافة إذا توافرت عدة شروط، من أهمها فصل الثقافي عن السياسي، وعدم إقحام تلك المجلة كأداة في المنظومة الإعلامية الرسمية، خصوصاً مع توافر أداة أكثر سرعة وفاعلية هي التلفزيون. وإن حدث ذلك، فإن تلك المجلة ستفقد جمهورها بسرعة مهما كان تاريخها، لأن ذلك الجمهور هارب بالأساس من السياسة إلى الثقافة الجادة.
المجلات الثقافية تعتبر صورة من صور القوة الناعمة التي تمتلكها أي دولة إذا أجادت التعامل معها. وثاني شرط -بعد منحها الاستقلالية والحرية الكاملة- هو عدم النظر لها بعين المحاسب التي لا ترى فيها سوى باب لهدر المال العام، وليس رأس مال ثقافي لا يدرك أبعاده غير أصحاب الرؤية الثاقبة الذين وقفوا خلف تأسيس تلك المجلات. وعندما يتم إبعاد نظرة المحاسب من أجواء المجلات الثقافية ستحلق عالياً في السماء لتحقق ما عجزت عنه أجهزة أخرى.

النطاق سر الانتشار
الركيزة الثالثة والأخيرة للإجابة عن سؤال مستقبل المجلات الثقافية -بعد مكانتها في عالم الصحافة ونوع التمويل- تتلخص في معادلة بسيطة للغاية هي: الغرق في موضوعات الشأن المحلي يحدد نطاق انتشار المطبوعة داخل حدودها القطرية، والتوسع العابر للقارات بالموضوعات والأقلام يكسب أي مطبوعة أبعاداً أكبر من أبعادها المحلية جماهيرياً وقطرياً. وأخيراً من الضروري أن تتقارب الأجيال وتتوازن على صفحات أي مجلة ثقافية، إذ لا يمكن أن نتوقع نجاح جيل سابق أو ما قبل السابق في جذب مثقفي أجيال الربيع العربي؛ لأن الفجوة الفكرية والرقمية بينهما تحسب بالسنوات الضوئية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة