اكرموهم كباراً

معظمهم لم يكن من المستفيدين، لا في زمن النظام السابق ولا في ظل النظام الحالي، وكثير منهم عبر فترة الحصار الاقتصادي براتب لايكفي شراء (كيلو لحم)، و مع ذلك ظل يترقب نهاية الشهر لتسلم ثلاثة او اربعة آلاف، ليس حباً فيها بل أملا في التقاعد الذي سيحصل عليه بعد ان يصل الى سن لن يكون فيها قادراً على القيام باعمال اضافية لدعم الراتب. أما اوضاع متقاعدي ذلك الزمان، فلا يوجد وصف لرواتبهم اكثر مما اتذكره حول تقاعد والدي الذي قضى ثمانية وعشرين عاماً في الوظيفة وتقاعد في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ما زلت اتذكر كيف انه كان يؤجل تسلم راتبه التقاعدي ثلاثة او اربعة اشهر، ليذهب ويشتري به (اكلة سمك) لوجبة غداء واحدة، (ساخراً) من سنوات خدمته الطويلة التي اثمرت عن وجبة سمك بمبلغ تقاعد ثلاثة او اربعة اشهر.
ومع ذلك، تناسى المتقاعدون تلك المعاناة عندما تم رفع مستوى الرواتب بعد 2003، برغم انه لم يكن بالمستوى المطلوب، لكنه قد يسد حاجة رجل كبير السن، او ارملة عجوز، او ربما يغطي نصف الشهر لعائلة بسيطة. وبدأت رحلة الانتظار والترقب، والعيون المعلقة على الموازنات الاتحادية التي تحمل في طياتها سنوياً عشرات المقترحات والاحلام الانفجارية، لكنها، وفي كل سنة، كانت تؤجل النظر في مشروع قانون التقاعد، وعوضا عن أن يقر القانون المرتقب، يتلقى كل من ينتظره ضربة صاعقة بشمول رواتب المتقاعدين بالتقشف!
ان من ينتظر قانون التقاعد هو ليس المتقاعدين فقط، بل الاف الموظفين ممن تجاوزت خدمتهم الخمسة وعشرين عاما، وربما تجاوزت اعمارهم السن القانونية، لأنهم يخشون ان تقاعدوا ان لا تطالهم امتيازات قانون التقاعد الجديد الذي من المفترض ان يحصل فيه المتقاعد على 80% من الراتب، والذي ان جرى تطبيقه، سيؤدي الى تقاعد الالاف الذين ينتظرونه، وبذلك لن تخسر الدولة الكثير، فعوضاً عن ان تدفع راتباً كاملا بكل المخصصات والامتيازات، ستدفع الراتب التقاعدي، اضافة الى تخفيض عدد الموظفين الذين يشكل الكثير منهم صورة للبطالة المقنعة.
تعاني الصين من ارتفاع نسبة الشيخوخة حيث تجاوزت نسبة المواطنين فوق عمر الستين ال 60%، مما يعني انه بلد في طريقه الى الشيخوخة، ومع ذلك يوفر لشيوخه وعجائزه كل انواع الرفاهية والبرامج الصحية والضمان الاجتماعي. اما في العراق، فان نسبة الشباب تتجاوز ال 50%، مما يعني ان بلدنا هو بلد شاب، وبالاخذ بنظر الاعتبار متوسطي العمر أي بين 20-50، تصبح فئة كبار السن قليلة، ربما لاتتجاوز 20 او 30%، فسواء كان شيوخنا لديهم رواتب تقاعدية ام لا، فهنيئا لمن يصل الثمانين منهم، فمن لم يمت بالمرض مات ب(القهر).
لاحظت في الفترة الاخيرة، ان عدد المتسولين من النساء وصغار السن من الاطفال قد فاق عدد الشيوخ والعجائز خصوصا بعد نزوح الاشقاء من داخل البلد وخارجه ، ربما نحتاج الى التقليب بين دفاتر البرلمان وخططه، فقد يكون فاتنا ان ننتبه الى انه وضع خطة لزيادة عدد المتسولين من الشيوخ والعجائز، طمعاً في المساواة بين شرائح الشعب.
بشرى الهلالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة