الديمقراطية الرشيدة والتشريعات الرصينة

عادل اللامي*

التشريعات الرصينة هي السبيل الأهم للانتقال الحقيقي من مرحلتي الدكتاتورية والفوضى الى مرحلة الديمقراطية الرشيدة
فمما لا شك فيه ان الدول اضحت محتاجة الى مراجعة وتحديث منظوماتها القانونية او التشريعية تبعاً للتطور الاجتماعي، المعرفي، السياسي والاقتصادي والتغيرات الحتمية بفعل العوامل الزمانية والمكانية، فالرسالة التي كانت تستغرق اسبوعين في الاقل لوصولها من مرسلها في بغداد الى المرسل اليه في لندن في القرن الماضي، اصبحت تستغرق بضع ثوانٍ في القرن الحالي هذا على صعيد الاتصالات التي احدثت ثورة حقيقية في شتى المجالات.
وايضا تطور المفاهيم والعادات الاجتماعية والتقدم التكنولوجي بين الشعوب ادى الى تطور البيئات التشريعية للدول، ولمواكبة هذه التطورات واللحاق بركب الحضارة الذي يعيش حالة تطور متنامٍ وايضاً حالة سباق دولي لاحداث التطورات في شتى المجالات من اجل سعادة ورفاهية الانسان ، فان الدول والشعوب وحسب درجة تقدمها تعالج هذه المسألة من خلال طريقين:
الطريق الأول: الدول التي تكيف تشريعاتها دورياً لمواكبة التطور الحاصل في دول متقدمة اخرى او مواكبة التطور العام في المجتمع الدولي فانها تعدل او تستحدث تشريعات للمواكبة أي بعد حصول التطور في المجتمعات الاخرى وهذا النوع من المواكبة لا يصنع التقدم بل يحاول اللحاق به، أي محاولة اللحاق بما حققه الآخرون.
الطريق الثاني: هي الدول التي تستحدث او تحدث تشريعاتها من اجل صناعة التطور أي من اجل خلق وسائل جديدة في انتاج الخدمات والرفاهية لمجتمعاتها وبعد اختراع وانتاج هذه الوسائل تقوم الدول الاخرى من فصيلة الطريق الاول بتعديل تشريعاتها او استحداث تشريعات لمواكبة ما احدثته فصيلة دول الطريق الثاني.
للاسف الشديد وبسبب بركان الأخطاء الذي صاحب عملية التغيير في العراق بعد 9 نيسان 2003 وما يزال يقذف بحممه حتى هذه اللحظة، أدى بنا في العراق ان لا ننجح في ان نكون من سالكي أي من هذين الطريقين بسبب أنكفاء من تموضعوا في مراكز القيادة بعد التغيير على تحقيق المنافع والمصالح ضيّقة الأفق وعدم وجود نظرة إستراتيجية بعيدة المدى لخطواتهم في ادارة الدولة، وأدّت هذه الحالة الى تراجع العملية التشريعية من ناحية وانتاج تشريعات رديئة وقصيرة النظر من ناحية اخرى، فولِدت تشريعات وولِدت معها ضرورات تعديلها بسبب مرض المحاصصة وبسبب ضعف وتدني مستوى معظم المشرعين العراقيين الذين انتجهم نظام المحاصصة الذي كان ثمرة النظام الانتخابي غير العادل.
ان الغاء تشريعات قديمة او تعديلها أواستحداث تشريعات جديدة يجب ان تتم على وفق المنظور الجديد لفلسفة وهوية نظام الحكم الجديد، الذي يُفترض ان يعكس هو ايضاً هويته الاقتصادية الجديدة، لكن واقع الحال لم يكن على وفق هذا السياق بل كان على وفق سياق مشوش بين المركزية واللامركزية تارةً وبين الاقتصاد الحر والاقتصاد المقيّد (التدخلي) تارةً اخرى. المادة (25) من الدستور مثلاً تنص على: (تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي على وفق اسسٍ اقتصاديةٍ حديثة وبما يضمن استثمار كامل لموارده، وتنويع مصادرها، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته.) فهذه المادة لم تضع خارطة طريق واضحة للاقتصاد العراقي وماهي الأسس الاقتصادية الحديثة التي اشار اليها؟ هل يتبنى العراق فلسفة الاقتصاد الحر الليبرالي او يتبنى الفلسفة الاشتراكية او يتبنى الفلسفة التدخلية (المختلطة) في ادارة الاقتصاد.
بل وحتى على صعيد الحقوق والحريات لم يُنتج تشريع واضح المعالم وغير مشّوش ازاء الحريات العامة وتنظيم العمل السياسي، فمثلاً قانون الاحزاب ولد مشوشاً ولم يؤسس لاستقرار العمل السياسي على خلفية وطنية واحدة (العراقية) بل فتح الطريق لولادة احزاب مبانيها قائمة على اساس العنصرية والمذهبة بالرغم من تغليفها بغشاء المواطنة ظاهرياً.
من هنا فلابد لاحداث تغيير يتسم بالعمومية وواضح المعالم والهوية ويُمَكِّن العراقيين جميعاً من أن ينهلوا من منبع واحد ومُوحِّدْ، بعيداً عن الخصوصيات والجزئيات التي يمكن للافراد ان يتمتعوا بها تلقائياً من دون الاشارة اليها كصفة تميّزهم عن الآخرين، وان لا تغرف كل طائفة ومكون من منبعها الخاص بها وتنظر الى الآخرين بعين الكفر والخطأ والخطيئة وعدم الصواب، مهما تظاهرت بعكس ذلك.
ان هذا التغيير يجب ان يبدأ باعادة النظر بالدستور «مظلة التشريعات» سواء بالتعديل او الاستحداث من خلال تشكيل لجنة دستورية مختارة من شتى فئات الشعب وشرائحه على ان يتسموا بدرجة علمية عالية وخبرة مهنية طويلة ومن بيئات اجتماعية مستقرّة، تكون الاستقلالية السياسية اهم ملامحها ومشهودأً لهم بالعدالة والحكمة وحسن السلوك وان توفر لها السلطات الثلاث البيئة المريحة والحرّة ليكتبوا مسودة الدستور الجديد او في الأقل مسودة تعديل الدستور الحالي.
وبعد ان تنتهي هذه العملية ويصبح الدستور او تعديلاته نافذاً يصار الى اصدار قانون موحد لاصلاح النظام القانوني وفق المباديء الواضحة التي يُفترض ان نصّ عليها الدستور وعلى وفق ورقة عمل تضعها لجنة مشابهة للجنة الدستورية المشار اليها على ان تمثل القطاعات الحكومية المختلفة من اجل احداث ثورة تشريعية مدروسة وتتسم بالعمومية والدوام والاستقرار تمكن البلد من الانتقال الحقيقي من مرحلتي الدكتاتورية والفوضى السابقتين الى مرحلة الاستقرار الديمقراطي الحقيقي المبني على اساس المواطنة.

* حقوقي ورئيس مفوضية الانتخابات الأولى

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة