من المثقف يبدأ الإصلاح

عماد جاسم:

لا يمكن تجاهل ما يجري من أحداث جسام في الساحة العراقية ولا يمكن التغاضي عن هول الكارثة من الجانب الإنساني والسياسي حيث تعاظم نسب المنهوكين جوعا في عراق التوافقيات والخصامات والتجاذبات السياسية .
بالمقابل تختفي او تتبخر للأسف العقول المتوازنة التي تتبصر الحقائق وتبحث عن حلول جذرية تخدم الكل وتبتعد عن الفئوية المقيتة التي عصفت بالبلاد الى مراتب متدنية من سلم الدول والمجتمعات المتخلفة .
كل هذه حقائق مكشوفة لا يسترها أي كلام منمق أو تصريحات مجانية لا تداوي عليلا، لكن المسعى الأهم هو خلق خطاب وفقا لمدلولات ملموسة بعيدا عن صيغ ونبرات التشهير والتحقير التي تحتل الجزء الأعظم من عمليات النقد الملتبسة التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي وتحتل النصيب الأكبر في برامجنا الحوارية الإعلامية، حتى باتت ماركة مسجلة نجتهد نحن العراقيين بالترويج لها والفخر بانتشارها مبتعدين عن احترام الأخر باختلاف توجهاته ومشاربه الثقافية. ولم يكن للمثقف الدور الفاعل في تحصين المجتمع من السقوط في فوضى المصطلحات التهكمية والأوصاف الممجوجة التي تحط من قيمة الخطاب بل وتجعلنا مستسلمين لفجيعتنا دون أن ندري. ومن هذا المنطلق بات البحث عن المثقف النوعي أو المتحدي الجديد مسألة حتمية لما يمتلكه من إيمان ورغبة حقيقية بالتغير لأجل التغير وليس لأجل التفرد بالعويل او الاستخفاف بالأوجاع كانها القدر الذي تلبسنا ولا يمكن الفرار منه. اننا نبحث عنه وليس عن مثقف مهزوم من الداخل والواقع تحت سلطة السياسيين او المتنفذين بتنوع اشكالها ومسمياتها الدينية والحزبية او حتى الاكادمية والاجتماعية . إننا ألان بحاجة لتغير نمط واليات التعامل مع قضايانا المصيرية بعد خبرة التعايش وممارسة حمى التكتلات وتبادل الاتهامات. والاتجاه نحو التفكير بمخرج مع ترجيح العقل على العاطفة والانفعال وتناسي قيم البداوة المتأصلة في نفوسنا بالدفاع والاقتتال من اجل نصرة الأخ وابن العم على أخطاءه، مع النظر بزاوية الانتقام لكل مخالف. وهنا يأتي دور المثقف المتحرر من سلطة مجتمعه والمحدد لاتجاهاته التنويرية والمتبني لخطط متحركة تعتمد العق ولا تستكين الى المسلمات أو الركون إلى القبول بالسائد أو الرضوخ لفكرة الهزيمة القدرية او انتصار المهيمنات التي تخذت تفرض سطوتها على صور الحياة. ويبدو إن استسهال الرضوخ للتفكير الجمعي السائد بين اغلب الأوساط اجتماعية كانت أو ثقافية وهو انتصار للخراب وهيمنة الجهل وصعود بارية الفوضى بات ايضا شبه تعميم تجنح له النخب الثقافية مكتفية بالبكاء الطللي على ذكريات الأمس وهي تتحلى- أي النخب الثقافية- بهذا السكون والجلوس على كراسي المتفرجين او بالتباري بكيل نفس التهم والكلام المعاد في مباراة المجتمع المصيرية التي يتقن لاعبوها من سياسيين متناحرين طائفيين تاصيل الخيبة والحزن في نفوس أنهكها الصبر والانتظار ولم تعد تحلم بأي جديد بل باتت تتجنب الحلم خوفا من تراكم الانهزامات والخيبات …
نحن بحاجة إلى مثقف النوع لا مثقف الكم ..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة