كبت الحريات أحد أشكال العنف الموجّه ضد النساء

د. اثمار الشطري *
يدرك المهتمون أهمية الحملة العالمية السنوية التي تتابع وتحذر من خطر استفحال ظاهرة العنف الموجه للنساء, و تمثل حملة الـ 16 يوماً نشاطاً على مستوى العالم اجمع, مخصصة لمناهضة العنف ضد المرأة وهي تعبير عن رغبة حقيقية وجادة لوضع حد للعنف القائم على نوعية الجنس. وهذه الحملة تبدأ في 25 نوفمبر وهو اليوم المخصص للاحتفال باليوم العالمي للقضاء على العنف القائم على نوع الجنس حتى يوم 10 ديسمبر وهو اليوم المخصص للاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان, وقد تم اختيار هذه التواريخ تأكيداً على إن العنف القائم على أساس الجنس يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان. ومن واقع عملنا في مفوضية حقوق الإنسان وحرصنا على مواكبة الحدث العراقي الذي تزدحم فيه وقائع صعبة وخطرة بخصوص واقع النساء, بات من المهم التذكير والتوجيه لضرورة التثقيف المجتمعي وتبني خطط الإصلاح تزامناً وتماشياً مع تقديس وتقدير دول العالم لدور المرأة في البناء والتطور, وبات لزاماً أيضا تعريف مجتمعنا بجميع أصنافه وألوانه ومشاربه الثقافية بجدوى وأهمية الحراك الثقافي والمجتمعي عالمياً ليكون منطلقاً لتغيير نظرتنا وتوجيه أهلنا للتعامل الايجابي مع المرأة بكل ادوارها, فهناك نشاطات عديدة تقام على مستوى العالم تخص هذه المناسبة تهدف إلى رفع الوعي المجتمعي الوطني والدولي فيما يتعلق بالعنف الموجه ضد المرأة, ولابد من التذكير بتبادل الخبرات المناسبة بهدف تطوير الخطط والاستراتيجيات والضغط على الحكومات لتفعيل أدوارها باتجاه الحد من العنف بكل إشكاله. وتعالج هذه النشاطات المهمة الظروف المحيطة بالمرأة بناءاً على تصنيفات يعتمدها العالم كأشكال للعنف ضد المرأة مثل:- عنف الرجل الموجه ضد المرأة ويشمل الاعتداء البدني والجنسي والنفسي وهو الأكثر شيوعاً, العنف الجنسي المتعلق بالنزاعات, الزواج المبكر والزواج بالإكراه, الإتجار بالمرأة, تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية, جرائم الشرف. ومن وحي عملنا الميداني المتمحور في إطار حقوق الإنسان ورصد الانتهاكات لاحظنا غياب جانب مهم جداً, يتعلق بالتنشئة الاجتماعية للمرأة العراقية والإعداد النفسي لها. ولو راقبنا أساليب التنشئة الاجتماعية للمرأة منذ الطفولة لوجدنا تعزيزاً واضحاً لحالة نفسية سلبية ألا وهي (إعاقة الذات Self-Handicapping ) وهذه بداية لتطوير ممارسة القمع الذاتي للقدرات الشخصية كحماية سلبية لتقدير الذات. ومن هنا تبرز وبما لا يقبل الشك مشكلة ما يسمى بالقمع الذاتي لحرية وإمكانية التعبير عن الرأي وهي ستشكل فيما بعد احساساً دفيناً مسكوت عنه يرافق حياة النساء, هذا الإحساس سيتطور مستقبلاً إلى ان يصل إلى عملية قهر الذات وتحجيم أي نوع من الإبداع والتصريح الذي يعد نمواً طبيعياً يمنح الإنسان هويته وصيرورته, وقد تصل الى حالة أكثر سلبية وانهزامية تكمن في تجنب الإفصاح عن العنف الموجه ضدها لأسباب عدة تتعاظم في داخلها فقط, وتضعف قدرتها على المواجهة وهو ما يسمى ( قدرة الذات على المواجهة Ego-Resilience ) وهنا سيكون واضحاً تعرضها لاضطرابات نفسية ستولد فيما بعد انعكاسات سلوكية لها تأثير على المجتمع عموماً كما إنها ستكون عرضة لاضطراب يسمى في علم النفس (اضطراب ما بعد الضغوط الصدمية PTSD). لان المرأة بمثل هكذا استعداد نفسي نجد إنها ستكون بالتأكيد فريسة سهلة لأي نوع من أنواع العنف الموجه ضدها. إضافة إلى إن هناك العديد من أشكال العنف لا تدرك المرأة بأنه عنف موجه ضدها. وهنا تأتي ضرورة تكثيف برامج التوعية والتثقيف باتجاه هذه الجوانب المهمة لترقية أساليب التنشئة الاجتماعية للفتاة خاصة ولتكون الفئة المستهدفة في هذه البرامج هم الآباء بالدرجة الأولى وبقية أفراد الأسرة والمجتمع عموماً إذ إن خطر هكذا انعكاسات سيولد تشوهات في مفاصل الحياة الاجتماعية. ولابد من تدريب الفتيات في وقت مبكر على أساليب التعبير عن الرأي المناسبة وتوعيتهن بحقوقهن وتجديد طاقاتهن ومنح الحرية الكاملة لتوجهاتهن من اجل التحليق بأجنحة الإبداع, لان المجتمع المتعافي من أشكال التخلف والتعصب رهين التأسيس لنساء قادرات على التعبير عن ذواتهن وتجسيد أحلامهن وتفعيل خطاباتهن بالأساليب المتاحة (وما أكثرها ان كنا منحازين إلى فكرة التفتح والتحضر) لهن للخلاص المبكر من أي شكل من أشكال العنف الموجه ضدهن في حال حدوثه. ومن وحي عملنا ومراقبتنا طيلة سنوات عملنا في مفوضية حقوق الإنسان لمسنا أهمية دور الإعلام في توجيه الرأي العام بعد أن بات الاعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي الشريك المتنامي في بيوت العراقيين. ومن هذا المنطلق نحرص ونتمنى أن يتوجه الإعلام ليكون فاعلا ايجابيا في مستوى التثقيف وتربية ذهنية المجتمع. كما لا نغفل قدرة البحوث العلمية في متابعة أشكال التمييز الموجه ضد النساء للبحث عن حلول علمية وعملية تحرك الساكن وتخرج من قوقعة التصريحات المجانية نحو استثمار الجهد العلمي بتقديم دراسات وبحوث يتم تبني توصياتها من قبل الجهات ذات العلاقة. لتكون خارطة طريق تحدث تغييرات جوهرية في الواقع النسوي الذي نطمح ان يتقدم في ظل وجود مساعي تغيير حقيقية تتبناها منظمات مدنية ومؤسسات مختصة نرفع لها قبعات الاحترام, ووجود شخصيات وطنية ومهنية واكاديمية ترسم طريقاً جديداً للعراق.

* عضو المفوضية العليا لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة