الضربة المرتدة

علي صابر محمد *

تمكنت المقاتلات التركية من أسقاط القاصفة الروسية سوخوي 24 بمعادلة غير متكافئة حيث لم يكن في حسابات الروس أن تركيا عدوة بل من المفروض أنها صديقة تسعى للهدف نفسه المعلن عالمياً وهومحاربة داعش ولو أن روسيا كانت على دراية بأن هناك من يضمر لها العداء وينصب لطائراتها الأفخاخ لأرسلت بصحبة قاصفتها طائرات مقاتلة لتحميها من شرورهم ولكن حسن النوايا جعلها في موقف تمكن الغادرون النيل من قاصفتها بطريقة وصفها الرئيس الروسي بأنها طعنة في الظهر ، فهل أن تركيا قامت بتخطيط مسبق لهذه العملية ؟ وهل تدرك تركيا مخاطر مثل هذه المغامرة ؟ ومن شجعها على هذه الخطوة ومن أبدى أستعداده لتعويضها عن الخسائر التي ستلحق بها عند نشوب حرب قد تتوسع دائرتها مع أرتفاع منسوب التصريحات ومجهولية وضخامة ردود الافعال ؟ أم أنه خطأ حصل خلال العمليات العسكرية يمكن التراجع عنه ؟ فالتصريحات التركية المتضاربة تعكس أرتباك القادة الاتراك في مواجهة الحدث فتارة يقولون بأن الطائرة الروسية تم أنذارها وطلب منها الانسحاب من الاجواء التركية وعلى وفق شريط مشوش بث لوسائل الاعلام وتارة أخرى تأتي التصريات بأنهم لا يعلمون كونها طائرة روسية ولو علموا ذلك لكان رد الفعل مختلفاً ، فلو سلمنا بان الطائرة أخترقت الاجواء التركية سهواً فهل هذا مبرر لأسقاطها فهناك العديد من القنوات الديبلوماسية التي ممكن طرقها لتنبيه روسيا أو مقاضاتها على فعلها خاصة وأن الطائرة لم تقم بأي عمل عدواني على تركيا ثم أن الطائرات التركية تخرق المجال الجوي العراقي والسوري يومياً كذلك لم يقيموا وزناً لليونان وقبرص في أختراق أجوائها متى شاؤوا ، لا نعتقد للخطأ مجال في هذه العملية ويبدو أن سوء قراءة موازين القوى لدى تركيا جعلها في هذه الزاوية الحرجة فأغراءات دول الخليج وما تسلمته تركيا منهم في السنوات السابقة من أموال جراء مواقفها المعادية لجارتها سوريا قد مهد لها ان تنخرط مع الجوقة العربية الموظفين ثرواتهم لدعم الارهاب والساعين لأسقاط النظام السوري ولا ننسى أهداف أردوغان الشخصية وغروره ليصبح زعيم الأمة الاسلامية يحركه للأستفادة من الاموال الخليجية لتحقيق هذا الحلم والبحث عن مواقف تبرزه في المشهد السياسي العالمي وبهذا تكون تركيا قد أنجرت وراء الموقف العربي المعادي للنظام السوري وأصبحت كبش الفداء وتحرق نفسها في معركة غير متكافئة مع دولة عظمى مثل روسيا برغم كونها عضواً في حلف الناتو فلا نعتقد أن الغرب مستعد حالياً للدخول في حرب عالمية ثالثة وعند نشوبها سوف لن تبقي ولا تذر من الاحياء على سطح كوكب الارض.
ماذا كان رد الفعل الروسي ؟ وهل تمتلك روسيا من الاوراق التي تمكنها من ردع تركيا ؟ وهل هناك مخاوف من أندلاع حرب كبيرة في المنطقة ؟ بداية كانت روسيا تنتظر أعتذاراً من تركيا ومحاسبة المقصرين وتعويض المتضررين وتغلق القضية ولكن الغطرسة التركية يبدو ستكلفها أكثر من ذلك بكثير ، لا نعتقد بأن روسيا ستشن حرباً عسكرية على تركيا وبحكمة وعقلانية ستطوق تركيا وتخنقها أقتصاديا فأولى الاجراءات التي أقدمت عليها روسيا هي رفض لقاء أردوغان ببوتين وأيقاف التعاملات التجارية مع تركيا وتعطيل جميع المشاريع المشتركة ومنع المواطنين الروس من التوجه الى تركيا لأغراض السياحة ويمكنها أيقاف ضخ الغاز اليها كطاقة رئيسة لمصانعها ومنشآتها لتوقف عجلة الصناعة في تركيا وتأليب الدول المتحالفة معها لأتخاذ الاجراءات نفسها بحق تركيا وعملياً فان تركيا المتضرر الكبير من هذه العقوبات الاقتصادية ، وعسكرياً قامت روسيا بنشر صواريخ أس 400 في الارض السورية وحركت قطعاتها البحرية الى قبالة السواحل السورية وبذلك سيطرت على الاجواء السورية بالكامل فاذا كانت تركيا تسعى لأقامة منطقة حظر جوي داخل الاراضي السورية وبمساعدة غربية بذريعة توفير منطقة آمنة للاجئين السوريين ولأهداف تستفيد منها المنظمات الارهابية حالياً وكخطوة لسيطرة تركيا على هذه الاراضي مستقبلا فأن الحظر الجوي أقيم حالياً من قبل روسيا على جميع الطائرات التركية ولم يعد بمقدور هذه الطائرات القيام بأية طلعة داخل الاراضي السورية وفهمت القيادة العسكرية التركية هذا الموقف العسكري وقدرته بنحو صحيح وأنصاعت له وقررت تعليق طلعاتها فوق الاراضي السورية وبدل أن تكون أهداف العملية تعكير الجو على روسيا وأشغالها ووضع العقبات أمام عملياتها العسكرية التي ساعدت الجيش النظامي السوري من تحقيق أنتصارات كبيرة وتحرير مدن وقرى كثيرة من سيطرة المنظمات الارهابية نرى روسيا تكثف من طلعاتها الجوية وتزيد من قوة النار الموجهة ضد قواعد داعش وجبهة النصرة وتدمر أساطيل من الشاحنات المحملة بالنفط و الاسلحة لهذه المنظمات ، وتكشف هذه العملية زيف أدعاءات تركيا بمحاربة داعش فهي الجسر الموصل للأمدادات لهذه المنظمات وحدودها معبر تسلل الأنتحاريين والمرتزقة للقتال في سوريا وطائراتها لا تقصف الارهابيين وأنما تستهدف الأكراد وحزب العمال الكردستاني بالذات ، وسياسياً فان هذه العملية قد أفسدت التقارب الدولي للتوصل الى حلول سياسية للمشكلة السورية وباتت الحوارات والتفاهمات عقيمة ما لم تحل الامور عسكرياً على الارض وهذا ما تحاول دول الخليج بالتعاون مع تركيا تحقيقه بأطالة زمن الحرب وعدم الرغبة بحل مشكلاتها وجعل الارض السورية ساحة حرب لتصفية الحسابات الاقليمية ومحاولة جعل سوريا كأفغانستان لروسيا / مستنقع يصعب الخروج منه متناسين أختلاف المعطيات والظروف الدولية المتغيرة ، فاليوم تقف مع روسيا كل من ايران وسوريا والعراق ولبنان وهناك أجماع دولي وقرارات أممية لمحاربة داعش تتحرك روسيا من خلاله لما تشكله من تهديد للعالم المتحضر ويقف هذا المحور مع العالم المتمدن الرافض للأرهاب ، وبعد أحداث باريس والضربة الموجعة التي تلقتها فرنسا من الارهابيين تحول الموقف الفرنسي 180 درجة فمن رافض لأي تعامل مع النظام السوري الى الاشراك الضروري للجيش السوري في محاربة داعش واصطفاف فرنسا مع الموقف الروسي والدعوة الى تشكيل غرفة عمليات مشتركة لضرب داعش.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة