أصوات سفيتلانا ألكسييفيتش تسكت المعترضين

فوزها بـ (جائزة نوبل) أثار لغطا!!
موناليزا فريحة ـ بيروت:
على برغم ورود اسمها في لائحة التوقُّعات هذه السنة، وبقوة، إلى جانب الروائي الياباني هاروكي موراكامي والأميركية جويس كارول أوتس، فاجأت الكاتبة البيللاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش الأوساط الأدبية، في العالم، بفوزها بجائزة نوبل للآداب. فهي ليست روائية بالمعنى الصرف للأدب الروائي، كما أشار بعض الذين أثار فوزها حفيظتهم، ولا تمثِّل حقيقة الأدب الروسي والأدب البيلاروسي (الحديث وما بعد الحديث)، ولا يمكنها أن تُدرَج في خانة الكتّاب الروس الكبار الذين فازوا بهذه الجائزة، ومنهم- على سبيل المثال- بوريس باسترناك (1958)، الذي أجبره النظام البولشيفي على رفضها، وألكسندر سولجنتسين (1970)، وسواهما.
رأى عدد من الكتّاب الروس أن سبب فوز سفيتلانا ألكسييفيتش بجائــزة نوبــل هو أنها في حال من الصراع مع الرئيس البيلاروســي ألكسندر لوكاشــينكو، وكذلك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي توجِّه إليه النقد اللاذع، إضافةً إلى أن الجائزة تخضع- أصلاً- للمعايير السياسية والأيديولوجية. وقال الناشر ورئيس تحرير صحيفة )زافترا( (الغد) ألكسندر بروخانوف: «إن الجائزة تُمنَح وفق أجندات سياسية، وليس بحسب المعايير والكتابات الأدبية الجادّة والمعاصرة، وهي لا تُمنَح- أيضاً- نظراً إلى القيم اللغوية والأخلاقية». لكن الرئيس ألكسندر لوكاشينكو عَبَّرَ عن «سروره» لنيل الروائية هذه الجائزة، فقال: «أعبِّر، بكلّ صدق، عن سروري بنجاحك. وآمل كثيراً أن تساعد جائزتك دولتنا وشعب بيلاروسيا».
لكن الأكاديمية السويدية اختارتها بحجّة أن «أدبها متعدّد الأصوات، ويمثِّل شاهداً على العذاب والشجاعة في عصرنا الحاضر»، كما جاء في بيان منح الجائزة الذي أصدرته الأكاديمية السويدية. وقالت سارة دانيوس، الأمينة الدائمة للأكاديمية السويدية، عنها إنها «ابتكرت نوعاً أدبياً جديداً، وتجاوزت القوالب الصحافية، ومضت في ترسيخ نوع أدبي ساعد آخرون في ابتداعه»، وأضافت: «إذا أُخلِيت رفوف المكتبات من أعمالها فستكون هناك فجوات؛ وهذا يوضح، كثيراً، مدى أصالتها». هذا- باختصار- رأي الأكاديمية السويدية في هذه الكاتبة.
واللافت، كما أشارت وكالات الأنباء، أن الكاتبة غرَّدت، قبل ساعتين من إعلان الجائزة، على صفحتها في (تويتر) بأنها حازت الجائزة، وكانت هذه التغريدة مثار تكهُّنات وثرثرات كثيرة في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأدبية، وردَّت الكاتبة أن اللجنة اتَّصلت بها لتبلغها بفوزها قبل ساعتين من إعلان النتيجة. لكن موقع مجلّة (لو نوفيل أوبسرفاتور) الفرنسية أشار إلى إن تغريدتها هذه كانت لتدفع الأكاديمية إلى حجب الجائزة عنها، لأنها تؤثر الكتمان في قضية الجائزة.
غير أن الأكاديمية كافأت كاتبة سعت إلى تصوير الواقع بأدقّ حيثياته، وعرفت هذه الكاتبة كيف تلتزم بقضايا المجتمع، وكيف تقف «ضدّ الحرب والعنف والكذب»، وهي «الصفات التي كانت تلفّ الاتّحاد السوفياتي السابق»، وكيف «تنسج تاريخه». إنها كاتبة تستند إلى الواقع كي تسائل التاريخ والشرط الإنساني «لأولئك الذين يقفون قبالتي». ومن دون شكّ، كان الشرط الإنساني الذي تحدَّثت عنه هو شرط الإنسان خلال الحقبة السوفياتية، ومصيره الذي تحطَّم من طوباوية تلك المرحلة، التي كانوا يبشّرون بها.
وتصوِّر أعمال ألكسيفيتش حياة النساء السوفيات خلال الحرب العالمية الثانية، وتنقل تداعيات كارثة تشرنوبيل النووية عام 1986، والحرب الروسية في أفغانستان، من منظور مواطنين عاديين.فهي عمدت إلى جمع مئات المقابلات مع أشخاص تأثَّروا بهذه الأحداث الجسيمة، ووضعتها معاً في أعمال، قالت الأكاديمية السويدية إنها مثل «المقطوعة الموسيقية».

لا تكتب سفيتلانا روايات بالمعنى الكلاسيكي أو الحديث للرواية، بل هي تكتب أدباً يقع على تخوم الكتابة الوثائقية الروائية، مستعينةً بفنّ الريبورتاج الصحافي؛ مما يجعلها تنطلق من قصص واقعية وحقيقية. وتقول الكاتبة في هذا الصدد: «أذهب نحو الإنسان كي ألتقي بغموضه (وسرّه)، أذهب من روح إلى روح، لأن كل شيء يحدث هنا (في هذه الروح)». هكذا، لم تلجأ في كتبها إلى المتخيّل، فالسرد «وحده هو الذي يتراءى لي بمستوى ما يحدث»، تقول. ولم تلبث أن أصدرت كتاباً مهمّاً هو «الاستجداء، تشيرنوبيل، حوليات العالم بعد القيامة» وهو لا يزال ممنوعاً، في روسيا البيضاء، حتى اليوم، وتروي فيه سيرة رجال ونساء يتحدّثون عن «درب الجلجلة» التي عانوها بعد حادث تشيرنوبيل النووي. ولُقِي الكتاب نجاحاً، مثله مثل كتابها اللاحق الصادر العام 2013، بعنوان (نهاية الرجل الأحمر) (حاز جائزة ميدسيس الفرنسية بعد ترجمته)، وهو يركز على «هذا الرجل السوفياتي» كما تقول؛ إذ رغبت في أن تنقذه من الكذب الذي لفّه، ومن النسيان الذي وقع فيه، من خلال سرد أحلامه والمعاناة التي قاساها على الأرض، محاولةً إنقاذه من هذا المصير المأسوي.
في العام 2013، أجرت صحيفة (لوفيغارو») الفرنسية حواراً مع سفيتلانا أليكسييفتش، بعد صدور الترجمة الفرنسية لكتابها (نهاية الرجل الأحمر)، وبدا من أهمّ الحوارات التي أُجريت معها في الصحافة الأجنبية. ومما قالت في هذا الحوار: «كانت الحرب الحديثَ الوحيد عند العائلات. توفِّي جدّي لأمّي في المعركة، وجدّتي لأمّي، قتلها النازيّون. لقد قُتِل شخص من بين كل أربعة في بيلاروسيا، خلال المأساة، وكانت حركة المقاومة قوية جداً. بعد الحرب، كنّا نخشى الذهاب إلى الغابات التي تمّ تلغيمها. في تلك الفترة، كنّا نرى المرضى والعُرْج يتسوَّلون متشرِّدين، إذ لم يكن لديهم مكان يبيتون فيه. بقوا على هذه الحال لغاية العام 1960، قبل أن يموتوا جميعاً. في فترة مبكِّرة، بدأ اهتمامي بأولئك الذين لم يلتفت إليهم التاريخ، أولئك الناس الذين يتنقّلون في العتمة، من دون أن يتركوا وراءهم أثراً، والذين لم يُطلَب منهم أي شيء. لقد روى لي أبي، وكذلك جدّتي، قصصاً كثيرة، وهي أشدّ رعباً من تلك التي سجَّلتها في كتابي. لقد شكَّل لي ذاك الأمر صدمة في طفولتي، ووسم ذاكرتي إلى الأبد». وتسألها (لوفيغارو) عن كتبها الخمسة التي كتبتها خلال ثلاثين سنة، وآلاف الشهادات التي جمعتـــها، وتعرُّضــها للنقد الشخصي، حتى أن قضــية رُفِعـــت ضدّها، وقد مَثَّلت كلّها مشـــروعها الفريد، فتقول: «غالباً ما شعرت بأنني لن أمتلك القوّة لأتمَكَّن من الوصول إلى نهاية هذا المشروع. أذكر أنني، ذات يوم، تحاورت مع امرأة أمضت خمسة عشر عاماً في أحد المعتقلات، تحت حكم ستالين، لكنها استمرَّت بالرغم من كل شيء، كونه فوق كل شيء. بكيت بسبب ذلك، أذكر- أيضاً- أنني رأيت شبّاناً يعملون في مركز تشيرنوبيل، بعد الكارثة، من دون أيّة حماية خاصّة. كذلك، أذكر المستشفيات الأفغانية، حيث شاهدت- بأمّ العين- القذارات التي كان يرتكبها جنودنا. لقد جعلني ذلك أفقد وعيي مرّات عدّة. لست بطلة.. لقد لاحقتني كلّ تلك الأصوات. ولزمتني هذه السنوات بأسرها، كي أبني هذا الصرح من الكتب. هل كنت مخطئة في البدء بهذه المغامرة؟ أشعر، اليوم، أنني تحرَّرت من ذلك».
أما الملاحظة التي لابدّ من ذكرها فهي أن المكتبة العربية تجهل كتب سفيتلانا أليكسييفيتش؛ إذ لم يترجَم لها، حتى الساعة، أيّ كتاب إلى العربية.
وُلِدت أليكسييفيتش في 31 مايو/أيار، عام 1948، في غرب أوكرانيا، في كنف عائلة مدرّسين في الريف، وتخرجت في كلّيّة الصحافة في جامعة مينسك، وراحت تسجِّل، على جهازها، روايات نساء حاربن خلال الحرب العالمية الثانية، واستوحت منها روايتها الأولى (الحرب ليس لها وجه امرأة). ومنذ ذلك الحين، استخدمت أليكسييفيتش الطريقة نفسها لكتابة رواياتها شبه التوثيقية، فأجرت مقابلات على مدى سنوات مع أشخاص عاشوا التجارب المريرة، وقد حقَّق لها كتاب (نعوش الزنك) حول حرب أفغانستان، الذي نشر العام 1990، شهرة كبيرة، وتُرجِمت أعمالها إلى لغات عدّة، ونشرت في العالم بأسره. وقد حُوِّل بعضها إلى مسرحيات عُرِضت ففي فرنسا وألمانيا، حيث حازت العام 2013 جائزة السلام العريقة، في إطار معرض فرانكفورت للكتاب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة