قراءة في قرار رد دعوى النجيفي

سلام مكي *

لم يُثر أي خلاف دستوري حول حزمة الاصلاحات الاخيرة التي اطلقها مجلس الوزراء الا فيما يتعلق بفقرة إلغاء منصب نواب رئيس الجمهورية، الذي عدّه البعض تجاوزًا على الدستور والقانون وعدم امتلاك رئيس الوزراء الصلاحية التي تخوله إلغاء تلك المناصب، وهذا ما جعل المؤسسات الاعلامية التابعة لأولئك النواب تصر على اطلاق تسمية: نائب رئيس الجمهورية على احد النواب الذين الغيت مناصبهم بزعم ان رئيس الوزراء لايملك حق الغاء مناصبهم. ولكن مجرد ان قام احد نواب الرئيس وهو اسامة النجيفي برفع دعوى قضائية امام المحكمة الاتحادية يطالب فيها بإلغاء هذه الفقرة من الاصلاحات، يؤكد على ان النواب لم يعودوا يتمتعون بالصفة الرسمية، وان الحكومة سحبت يدهم عن الاعمال التي كانوا يقومون بها. هذه الدعوى التي لم يصدر فيها حكم الا قبل ايام. الحكم الذي تضمن عدم الاعتراف بالصفة الرسمية التي يحملها النجيفي والتي بموجبها اقام الدعوى بصفته الوظيفية وليس الشخصية، اذ ان صفته الوظيفية الغيت بعد صدور قرار مجلس الوزراء مباشرة ولا يحق له ان يقول انه نائب رئيس الجمهورية. ان القرار الذي اصدرته المحكمة الاتحادية يحمل الكثير من الدلالات التي تعبر عن مدى الجهل بالقانون وعدم احترامه والخضوع لنصوصه من قبل الطبقة السياسية الاولى، كونها ترى نفسها اكبر من القانون. فمن ناحية الجهل بالقانون، نرى ان نائب رئيس الجمهورية لا يملك اصلا شخصية معنوية تؤهله للتقاضي وممارسة التصرفات القانونية، اذ ان الشخصية المعنوية تمنح بموجب نص قانوني واضح ويذكر فيها الصلاحيات الممنوحة لتلك الشخصية وعندئذ يمكنه ان يقيم الدعاوى بصفته الوظيفية. وبالعودة الى القانون الذي تشكل بموجبه منصب نائب رئيس الجمهورية وهو القانون رقم 1 لسنة2011 . هذا القانون الذي لو اطلع عليه لوجد انه مجرد قانون شكلي لا فائدة منه ولم يتضمن نصوصًا جديدة وذات فائدة للدولة، وانما هو مجرد تكرار لنصوص الدستور. وقصة تشريعه معروفة ويتذكرها الجميع. فهو مثلا، يمنح الحق لرئيس الجمهورية بان يتخذ ثلاثة نواب كحد أقصى وهو ما حصل ويحصل، من دون ان يحدد الاسباب الموجبة له عدا مسألة اعمال ماورد في المادة69 من الدستور! فهو لم يحدد العمل الذي يقوم به نواب رئيس الجمهورية عدا النائب الاول الذي يقوم مقام رئيس الجمهورية عند غيابه، وخلال ثلاثين يوماً ينتخب البرلمان رئيسا جديدا عند خلو المنصب لأي سبب كان. فلا ندري: ماهي وظائف النائبين الآخرين؟ اذا كان النائب الاول احتياط لرئيس الجمهورية فيما لو خلا المنصب من الرئيس ولثلاثين يوما فقط! اذ بعدها يجب انتخاب رئيس جديد وعندها تنتفي الحاجة للنائب الاول! هذا كل ما يقوم به نائب رئيس الجمهورية الاول اما الثاني والثالث فلا يوجد لهما أي عمل رسمي. بالعودة الى القرار القضائي الذي قطع جميع الالسن التي ما زالت تقول بوجود نواب لرئيس الجمهورية وان قرار الحكومة غير دستوري وتجاوز للصلاحيات. برغم انهم يخرقون الدستور والقوانين بنحو يومي ووجودهم اصلا هو خرق لكل القوانين، لكن عندما يتعلق الأمر بمصالحهم ومناصبهم نجدهم يدافعون عن الدستور! هذه المشكلة الكبيرة، التي تتمثل بعدم امتلاك كبار السياسيين ثقافة قانونية، اضافة الى عدم امتلاك مستشاريهم القانونيين ايضا هذه الثقافة، اذ ان القانون لا يحتاج الى خريجي القانون بل يحتاج الى ثقافة قانونية وهذه قد يحملها الانسان البسيط ولا يحملها رجل القانون نفسه، وإلا ماذا نسمي اصرار نائب رئيس الجمهورية على رفع دعوى بصفته الوظيفية اي وضع: اضافة لوظيفته وبديهيات القانون تقول: ان هذه العبارة لا توضع الا لمن يملك الشخصية المعنوية. من ناحية أخرى، فإن القرار لابد من اعادة قراءة جديدة، لتحليله والكشف عن صحته ومدى تطابقه مع المبادئ العامة للقانون. فكما هو معروف ان القانون لا يعدله ولا يلغيه الا القانون. منصب نائب رئيس الجمهورية تشكل كما قلنا بموجب القانون رقم 1 لسنة2011 ولكي نلغي هذا المنصب يجب اولا الغاء هذا القانون وهو ما حصل فعلا، بعد مدة من اصدار الحزمة الاولى من الاصلاحات تحديدا في الشهر التاسع من التصويت على قانون الغاء قانون نواب رئيس الجمهورية وهو ما يؤكد انه اقتنع بان هذا المنصب حتى يلغى لا بد من الغاء القانون الذي تشكل على ضوئه. لكن القرار هنا، اعدّه ملغيًا بموجب قرار مجلس الوزراء المرقم307 في 11/8/2015 الذي قرر عدة امور واصلاحات منها الغاء منصب نواب رئيس الجمهورية. المشكلة ان اساس الدعوى هي النظر في مشروعية هذا القرار ومدى توافقه مع الدستور من عدمه، ولا يمكن الاحتجاج به كسبب لرد الدعوى اذ ان سبب الرد هو موضوع المشكلة. ان قرار المحكمة صحيح، لكن السبب ليس دقيقا، فكما قلنا لا يملك نائب رئيس الجمهورية حق الترافع بصفة وظيفية وهو ما قام به ويستلزم الرد وليس لفقده المنصب. المحكمة عدّت المدعي فاقدا للمنصب منذ تاريخ الغاء المنصب في حين موضوع الدعوى هو البحث في صواب قرار الالغاء من عدمه وهو مالم تبحث به المحكمة. ما يهم في القرار هو ان بعض وسائل الاعلام والشخصيات سوف لن تدعي انها نائب رئيس الجمهورية ومن يقول ذلك فهو معرض للمساءلة القانونية.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة