نحن وهُم

علي صابر محمد *

كثيرة هي المقارنات والمقاربات التي تستعمل لتبيان الفروقات وأوجه التشابه والاختلاف بين فريقين أو مكونين أو ثقافتين أو أي أثنين بينهما مشتركات أو متناقضات فالمقصود بنحن مجتمعاتنا في البلدان المتخلفة أقتصاديا وأجتماعيا وثقافيا والتي مجاملة يطلق عليها بلدان العالم الثالث او البلدان النامية وأخص بالذكر الدول الاسلامية والعراق واحد من هذه البلدان وهم العالم المتمدن المتقدم والمتحضر المتمثل بأوروبا واليابان والغرب عموماً والبون الشاسع الذي يفصل بيننا وبينهم وكيف يفكرون وطريقة عيشهم وبماذا يعتقدون وما هي معاييرهم في الحياة وما هو سائد في عالمنا ، فهم يعملون للدنيا ويسعون لتجميل الحياة وأضاءة طرقها وعيشها بمفرداتها وأضفاء البهجة عليها والتمتع بكل لحظة فيها ونحن نعمل لآخرتنا ونهمل الدنيا ونعمل على بناء رصيد لنا في العالم الآخر ونؤمن بان الدنيا هي دار فناء ولا تساوي شيئا أمام الحياة الثانية دار البقاء التي نتأمل الفوز بها بقاعدة أعمل لدنياك كأنك تموت غداً ، ونحن كنا أصحاب حضارات عريقة وصناع أول حرف للبشرية ومصدر أشعاع معرفي وأصبحنا اليوم في آخر القائمة في مجال التطور والتقدم ونلدغ من جحر ألف مرة ولا نتعظ وهم لا يمتلكون حضارات قديمة ولكنهم اليوم بناة حضارة حديثة ومصدر التطور والتقدم التكنولوجي في العالم ويدرسون التاريخ ويستلون منه أسراره ويستفيدون من تجاربه ، هم يتعاملون مع الانسان كأثمن رأسمال وتشرع القوانين على وفق هذا الاساس وفي مجتمعاتنا لا يساوي شيئا أمام السيارة مثلا ففي الفصول العشائرية والقبلية تكون قيمة الموجودات أكثر من قيمة الانسان ، هم يعتقدون بان العقل والمال قوة تستثمر في تنظيم الحياة وبقوانين ومعادلات مؤثرة وحاسمة ونحن نؤمن بأنها زينة ولا نجيد أستعمالها في تمشية الامور أو في التعاملات أو في العلاقات ولا حتى في الحروب ، هم يتطلعون الى غزو الفضاء وأكتشاف الكواكب والمشي على القمر ونحن ننبش القبور بحثا عن دلائل وذرائع لغزو بعضنا البعض ، هم يعيشون بأمجاد الحاضر وبناء المستقبل ونحن نعيش بأمجاد الماضي وننسى الحاضر ولسنا من طلاب المستقبل ، خضر مرابعهم روضة غناء ديارهم وقاحلة جرداء أراضينا ، هم يؤمنون بقوانين أنسانية من وضع البشر فرضتها الحاجة لتنظيم الحياة وتحمي حقوق الانسان في الحياة والمعتقد وحرية الرأي ونحن نؤمن بقوانين السماء التي وردت في كتبنا المقدسة ولكن يجري تفسيرها حسب مشتهى المفسرين من وعاظي السلطان ومقتضيات مصالح مراكز القوى والحكام وتكون سيفاً على رقاب المعترضين والمخالفين ، نحن يفر منا شبابنا وطوابير المهاجرين منا وهم يأوونهم ويوفرون لهم الحياة الآمنة والعيش الكريم ، هم يقدسون المرأة ويحترمونها ويمنحونها حقوقها ويقدمونها على الرجال ونحن نمتهنها ونعدها عورة لا ترقى الى مستوى الرجل ومكانها خلفه ولها نصف حقوق الرجل ، وهم يصنعون السلاح ويتفننون في نوعياته وأهدافه وفاعلياته ونحن نشتريه لنتقاتل به وأهميته تفوق الطعام والشراب والملبس ، وهم يتسابقون في الابداع الفكري والعلمي الذي يخدم البشرية ويطيل عمر الانسان ونحن نجتهد ونبدع في كيفية النيل من الطرف الآخر وشرعنة قتله ، هم يخططون للمستقبل لعدة عقود ونحن نعمل وفق قاعدة أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ، هم يعطفون على الحيوانات الأليفة وينفقون عليها أموالا وتكون شريكتهم في منازلهم وجزءا من حياتهم ونحن ننبذها ونقسو عليها ونعدها نجسة لا يصح التقرب منها ، هم قليلو الكلام وكثيرو العمل ونحن بالعكس نمتاز بالخيال الواسع في اللغو ونحتل صدارة المتهربين من العمل شعوب كسولة ذات أنتاجية متدنية أو معدومة ، حتى في الكتابة هناك أختلاف فهم يكتبون من اليسار الى اليمين ونحن نكتب من اليمين الى اليسار، وبموروثنا نحن خير أمة أخرجت للناس فمنا القتلة ومنا الانتحاريون ومنا القاعدة وأنجبنا داعش وأخواتها قلوبهم كزبر الحديد ووجوههم جافة يرعبون بها الصغار والنساء وهم تتجسد فيهم الاناقة واللطافة والرقة وعذوبة اللسان وحسن القوام والتعلق بالحياة ، جزء كبير من حديثنا مليء بالكذب ونقسم بأغلظ الايمان على صحته وعلى صغائر الامور وهم يتعاطون بمفردة الثقة تكفي وبلا قسم فلا يحتاجون اليه ، نحن نستخرج النفط والموارد الطبيعية ونبيعها لهم خاما وننفق من عائداته لأدامة حياتنا وهم يشترونه ويكررونه ويصنعون منه شتى أنواع السلع ويبيعونه لنا بضائع جاهزة ، هم ولوعون بالفن والجمال تواقون للموسيقى والرسم والنحت والتمثيل وفنانهم يعيش غنيا ومترفا ونحن لدينا الفن مضيعة للوقت ولا يوفر لصاحبه الخبز ومستلزمات العيش البسيطة وروادها هم الاكثر فقراً وعوزاً في عالم قاس لا يعير للفن أي أهتمام ، هم يبجلون ويحترمون هويتهم الوطنية ويفتخرون بها ويضحون من أجلها وينتمون الى شيء أسمه الوطن ونحن نمجد هويتنا الدينية والمذهبية ونموت من أجلهما ولا نشعر بشيء أسمه الوطن ولا قيمة لعلم الدولة في أعيننا أن لم يكن علم المذهب بجانبه ، هم يعلمون أولادهم في المدارس على طريقة التفكير الصحيح القائم على أساس المنطق وتقبل العقل له والفائز هو من يجد الحلول العقلانية للمعضلات وأيجاد المخارج للمشكلات ونحن نؤمن بان من يخزن معلومات أكثر هو المتفوق وهو المثالي حتى ولو كانت المعلومات غير صحيحة وليس مهما أن يغرق المرء بقدح من الماء وطريقتنا هي أقحام المزيد من البيانات الى العقل وأجترارها بأستمرار وهذا هو طريق النجاح ، هم يفكرون في كل شيء ويطلبون منا أن لا نجهد أنفسنا في التفكير فنحن لدينا المال والثروة وهم لديهم العقل والخبرة والارادة والاصرار على النجاح ، نحن اليوم نبكي على تأريخنا الضائع وما آلت اليه أمورنا ووضعنا المتدهور وهم يفرحون على أنجازاتهم وسعداء بحياتهم ، ولا يسعني في ختام هذا الكلام الا ترديد ما قاله رجل الدين محمد عبدة ( أني وجدت الاسلام في بلاد الأفرنج ولم أجده في بلاد المسلمين).

كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة