بحث في عالم المرأة العراقية الخفي

قراءة في مجموعة «العاشقة والسكير» للقاصّة المغتربة ناهده جابر جاسم
متابعة ـ الصباح الجديد:
صدرت للكاتبة المغتربة ناهده جابر جاسم مجموعة قصصية عن دار الأدهم –القاهرة 2015 بعنوان (العاشقة والسكير) تقع المجموعة في ثمان قصص قصيرة ذات موضوعات متنوعة تعالج قضايا اجتماعية مختلفة بأسلوب بسيط وممتع.
القصة الأولى كانت بعنوان –الأرملة- المكان: الدنمارك هذه القصة ذات طابع رومانسي يكثر فيها الحنين إلى الاحبة وتأمل الاشجار العارية . تسترجع الكاتبة ذكرياتها الحزينة من زوجها السكير الذي قالت بأنه رحل منذ ثلاث سنوات لتتقمص هي دور الارملة ببراعة .تصف لنا الكاتبة العنف الذي تعانيه مع زوجها السكير الذي يقوم بضربها أحياناً في الليل لكنه يمدّها بدفعات الحب صباحاً التناقض الذي كانت تعيشه من خلال هذه الحياة كان هو مشكلتها الاكبر.
يزداد الحزن والطابع المأساوي في القصة حين تلتقي بصديق لها –يعمل عازفاً- حيث كان يشجعها بالقول أنها رسامة ماهرة على العكس من زوجها الذي كان يدّعي فشلها لعلها وجدت ضالتها في هذا الغريب فتشبثت به. في وسط الحدث النازل تبدأ الشخصية المحورية بذكر المأساة التي حلت بها عند موت الزوج والحبيب هذا الحدث المفجع. تتضح سيميائية النص والحبكة التي هي في منتهى الدقة حين تقول «بدأت خيوط الشمس تذبل وظفائر القمر تنور سماء Boserupskov أكبر وأدفئ غابة في مدينة روسكيلد» تنتهي القصة مع الحبيب الذي جاء ليعوضها عن فقدان زوجها الذي مات مرتين ألأولى حين موته والثانية حين لامس جسدها جسد غيره.
القصة الثانية –العاشقة والسكير- التي أختارتها الكاتبة لتكون عنوان المجموعة مما يوحي أنها ذات الدلالة الاقوى والتأثير الاكبر مكان هذه القصة كان الدنمارك حينما كانت تعمل في دائرة رسمية يطبق فيها الطلبة تطبيقا عمليا ونتيجة لضجرها من إدمان زوجها تقع في حيرة بين طالب يصغرها سنا يتعلق بها وبين قيمها الأخلاقية العائلية والشرقية أي ثقافة وطنها الأم حيث ان ضجرها من –السكير- اوقعها في علاقة عابرة نوعاً ما مع احد الطلاب المطبقين في هذه المنظمة هروباً من السكير الذي جعل حياتها جحيماً بحق. تصل الرومانسية ذروتها حين يعترف ذلك الشاب بحبه لها بوقوعه ساجداً على الارض متوسلاً اياها بالحب. ربما تكون هذه القصة هي الأقل وقعاً من بين قصص المجموعة رغم انها كانت عنواناً لها وتكون الاقصر تقريباً من خلال الحدث والتصوير وبنية السرد واضحة مع العمق والجمال المكنون.
أما القصة الثالثة –القديسة والشيطان- أكثر الاسماء التي شدّت انتباهي هو اسم هذه القصة .في المطلع تصوّر الكاتبة الصدق الذي يدور في بلاد المنفى حين تقول بأنها تعرف نفسها فور الإجابة على المكالمة الهاتفية بقول «أنا نهلة» بدون كذب أو خبايا أو أسرار لتميز هذه الحالة عن زوجها الذي يقف في الضفة الاخرى من هذا المشهد. زوجها الذي تعود الكذب وممارسته دائما عليها. تصل الغيرة قمتها حين تجد رسالة في بريده الالكتروني الذي نساه مفتوحاً كانت الى امرأة تعرف عليها بالصدفة في مصر «كنت اقرأ واهتز مثل سعفة» بقيت الشخصية المحورية –نهلة- إلى نهاية القصة تعاني من الاتصال الذي جاءها ومن صاحبه المجهول الذي اغرقها في في مكتبة زوجها الذي كان يبوح بكل شئ للأوراق. اعتقد أن أكثر ما يليق بهذه القصة هو بيت للشاعر مظفر النواب يقول فيه «ولست على أحدٍ نادماً غير قلبي فقد عاش حباً معاق» .
القصة الرابعة –ذات صباح غائم- في المطلع ترسم الكاتبة الطقس المحيط رسماً متناهياً في الدقة في وصف أصغر ما يكون فيه. تخرج هذه القصة من حبكة القصة القصيرة إذ تدخل فيها آراء الكاتبة السياسية وفشل اليوتوبيا الماركسية ومدينة ماركس الفاضلة التي كانت تحلم بها . أرتجفتُ كثيراً وأنا اقرأها فقد جعلتني أعيش سكرات الموت لما للكاتبة من قدرة على إيصال هذه الفكرة إلى ذهن المتلقي.
القصة الخامسة –رجال كالسم- مكانها كان العراق تحديداً في مدينة النجف الاشرف قصة مأساوية تروي لنا حادثة مؤلمة هي موت خالها فعشقت أرملته خالها الثاني المتزوج والمقيم بنفس البيت مما أدى إلى موت زوجته بصمت غماً وهجراً. تعالج الكاتبة موضوع الخيانة وتتعمق بها مع النظر الى المسوغات والأسباب والنتائج .
القصة السادسة–وداعاً ابنتي- قصة عاطفية استذكار لوالدها ووفاءً له أبكتني كثيراً حين قالت بلسان والدها «ها بوية نهودة شفتك» حيث يقال إن الكلمة إذا خرجت من القلب دخلت إلى القلب وهذا دليل على الصدق الفني والوضوح الذي تتسم به الكاتبة . تركيز الكاتبة كان على الحنين لكن بطريقة مغايرة وجميلة.
القصة السابعة –صدفة احن اليها- تعود إلى شخصية الأرملة مرة اخرى بعد أن تناولتها في القصة الأولى ببراعة . تركيز القصة كان على الصدفة حيث تلتقي في حافلة عمومية برجل وسيم ذو عينين عسليتين . تعتبر هذه القصة من النوع الذي تترك خاتمته للمتلقي لكي يفهمها حسب وعيه وهذا يحسب للكاتبة من حيث قوة السباكة وتوجيه الأحداث توجيهاً صحيحاً وأسلوباً واضح.
القصة الاخيرة –سرقة عنوان- جاءت تتحدث عن سرقة عنوان البريد الالكتروني لصديق لها أوهمها بحبه لها أو أنها قد توهمت بذلك. قصة غامضة تنتمي إلى السريالية بعض الشيء لتداخل الشخوص والأحداث الصادمة وبسرد هادئ ومؤثر مما يضفي إمتاعاً استثنائيا للنص يستدعي قراءة ثانية متأنية لهذا النمط من القص حيث متعته بغموضه. تعد المجموعة تجربة نسائية مهمة شأنها شأن تجارب أقرانها الذكور عالجت إشكالات مستشرية مع دمج الخيال والاسترسال لإمتاع المتلقي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة