الموت والأشباح

معتز رشدي:
1
لم ينل الشعراء تكريماً، في عمل روائي، ولم يتحدث عن أسرار وجودهم أحد ، كما كرمهم ، وتحدث عنهم سليم جواد في رائعته ، واصداره الروائي الأول ( الأشباح والوهق . دار أزمنة ) . لقد تحدث ، أو كتب عنهم ، بلسان عربي مبين ، استغور به ما يحيط بالمبدعين منهم من أسرار لن تتكشف لنا ، نحن الفانين ، إلا بعد زمن ، قد يطول أو يقصر ، من رحيلهم الجسدي . اسرار تلازم حتى من هم في الضوء منهم ؛ فنحن نجهل ، جهلاً تاماً ، اسباب هذا الألق المروع ، في جماله وفرادته الملازمين لمصائر بعض المُلهمين ؛ تُرى ! من أي طرف من طرفي النزاع التراجيديين تستمد قصائد الشاعر القها ذاك ! أمن موته أم حياته ؟ من منهما يهب صاحبه اللغز الملازم له ، حتى زواله الجسدي ؟ أسئلة طرحتها علينا ، وأجابت عليها باسئلة من نوع آخر ، لوحات الفنان العظيم رامبرانت . انها ، أيضاً ، الاسئلة التي استدرجها سليم ، بقلمه ، إلى بعض أجمل صفحات عمله المثير .
رواية سليم جواد مكتظة بشتى ضروب المصائر ، ولكن مصير بطلها الرئيس الشاعر ( نائل ) ، وهب العمل ، ككل ، شحنة ماورائية ، بالغة التوتر ، قد يمكنني التدليل عليها – ولا غنى لنا – طبعاً- عن قراءة قصائد مجموعته الشعرية في خاتمة الرواية – بعبارتين شعريتين مدويتين ، هما :
ليت إن النهاية لم تُبتكر ، إذن لما عانيتَ من فداحة الميلاد .
( فداحة الميلاد ).
أو :
لا نحلم بالكوابيس
إلا لندرب الذات على تحملها
في الواقع .
(فوات الأزمنة ).
لم يكتف نائل بتقريع وجودنا الأجوف ( الماسخ ) بخلاصات شعره المرعبة تلك ، بل عمد، بعد صلم النظام البعثي اذنيه ( في سلسلة اجراءات قرقوشية عمد النظام إلى ابتكارها لمعاقبة الجنود الهاربين من مهازل جيش الهزائم ) إلى ترجمتها ، من لغة الشعر ، إلى نهاياتها القصوى ، في لغة أخرى ، أداتها جسده ذاته ؛ فبعد ان حبس نفسه في حمام منزله ، محكماً إغلاق بابه بعزم واصرار -هما اصرار وعزم محارب ، يائس ، ونبيل ، يعلم انه مقدم على آخر فعل له في حياته القصيرة ، الصاخبة – اشعل النار في جسده الفتي . لست ابالغ ان قلت ان سليماً في وصفه لعملية احتراق الشاعر ، بلغ اقصى ما يمكن لكاتب موهوب بلوغه ، من حيث دقة التعبير ؛ إلا تشمون معي رائحة اللحم المحترق ، والمنبعثة من كلِّ كلمة من كلمات وصفه ذاك ؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة