دعم الزراعة والريف انقاذ للدولة والمجتمع

منذ تأسيس الدولة العراقية المعاصرة وهذا الموضوع نقطة خلاف بين السياسيين وقادة البلاد.. ففي المرحلة الملكية انقسمت الطبقة الحاكمة الى فريقين.. يرى الاول ان الاولوية في صرف الاموال وايلاء الاهتمام يجب ان يكون لبناء الجيش والتجنيد الالزامي وغيرها من قضايا ملازمة.. ويرى الثاني ان الاولوية في صرف الاموال وايلاء الاهتمام يجب ان يكون للزراعة والمياه والري والقرى وما يلازمها من مدارس ومراكز صحية.. الخ. انتصر الفريق الاول ودخل العراق مرحلة الجمهورية.. والزراعة والري والمياه وكري الانهر والحياة الريفية في تراجع خطير.. واصبح لدينا دولة مترهلة بالموظفين، ومدن مكتظة مشوهة يتكدس فيها الناس بعضهم فوق بعض، ودبابات وطائرات وجيوش صار همها الاول كيف تنظم الانقلابات وتستولي على السلطة، فصار العراق بلداً شديد المركزية، شديد الدكتاتورية، لا يخرج من ازمة الا ويصنع غيرها.. ولا يخرج من حرب الا ويدخل في غيرها. فدمر الجيش، ودمرت الزراعة والصناعة والري والمياه والخدمات والمهن والصحة والتعليم، والريف والمدينة على حد سواء. وانتشر الفقر والبطالة، وصرنا نستورد ما نأكله ونلبسه ونعيش عليه.
لم يتغير النقاش اليوم.. فما زالت اغلبية الطبقة السياسية تعامل الزراعة باستخفاف. فهي تستكثر عليها 1.7 ترليون دينار مخصصة في الموازنة (2016) لدعم محصولي الحنطة والشلب بالشراء من المزارعين باسعار تسمح لهم بالبقاء في ارضهم، في ظروف لا تتوفر فيها لديهم ابسط شروط العيش.. في حين توفر الموازنة للموظفين (عدا كردستان) 32.8 ترليون دينار من رواتب، حسب موازنة 2016،من دون بقية المصاريف الملازمة لذلك. مع الفارق ان مردود الصرف الثاني ضئيل مقارنة بالصرف الاول الذي يعود بمحاصيل زراعية كالحنطة والشعير والرز وغيرها تسد بعض حاجة البلاد، وتحرك نشاطات مثمرة ملازمة، وتديم حياة ريفية تتعلق بنحو ثلث سكان العراق، الذين ما زالوا حريصين في الحفاظ على الارض، والبقاء في قراهم، وعدم تحميل الدولة اعباء اجتماعية واقتصادية وامنية خطيرة.
البعض يقول ان الحنطة والرز في الخارج ارخص، فلنستوردهما ونوفر على الدولة بنحو 2 ترليون دينار.. ونحن نقول ان هذه معادلة خاطئة، بل ظالمة وتستمر في الظلم الذي وقع على ابناء الريف في عراقنا. فالاسعار في الخارج ارخص، لان الدولة توفر لفلاحيها وسائل الري والزراعة والتعليم والمختبرات والتجارب وتحسين البذور والاسمدة والمخازن والالات والارشاد والمكافحة والوقاية والصحة والكهرباء والطرق ووسائل التمويل، ما لا نوفره للريف والمزارعين في حالتنا.. فهذه كلها يجب ان تحسب ان اردنا المقارنة بين الاستيراد والانتاج المحلي.. فالاسعار المجردة لا تعني شيئاً، فعندما نضع جميع تلك التكاليف التي يتحملها المزارعون اليوم، فسنرى ان الدولة تشتري رخيصاً من الفلاحين.
ان انعاش الريف ودعم المزارعين وانقاذ الارض والانسان لا يكون بالكلام وباساليب ترقيعية.. بل يكون بسياسة ثلاثية الاركان.. الاول تنظم علاقات الملكية والاجارة والاستثمار في الارض.. والثاني وسائل التمويل السهلة.. والثالث سياسات الشراء التي تضمن للمزارعين ارباحاً تغريهم على البقاء في ارضهم والتوسع في نشاطاتهم. وان تترافق مع هذه السياسة كافة النشاطات الخدمية والاجتماعية والتنموية، البشرية والاقتصادية، الداعمة للقرية والريف لتعود نقطة منتجة وجاذبة على حد سواء.. وفي هذا حل جذري للبطالة، وتخفيف العبء عن الدولة وتخليصها من ترهلها القاتل، حيث باتت الوظيفة مصدر الرزق الاساس.. كما هو حل لاوضاع المدن وما تتحمله من كلف منظورة وغير منظورة تزيد بمرات عديدة الارقام التي تقدم لدعم سياسة شراء المحاصيل.. ناهيك في الحفاظ على الارض ومنع تصحرها وبورها.. وتوازن التوزيع الجغرافي، أي كل ما يتعلق بالحياة عموماً.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة