شانتال اكرمان تبحث عن هوية (بدون بيت)

في حبسها الاختياري ..
أندريا بيكار
ترجمة ـ أبوالحسن أحمد هاتف:

«يعيش في منزل لا يكون الفرد فيه وحيدا خارج المنزل ولكن في داخله. في المتنزه هناك الطيور والقطط، ربما حتى السنجاب والنمس، لسنا وحدنا في المتنزه، ولكن في المنزل، نشعر بوحد كبيرة بحيث أننا نفقد ذاتنا في بعض الأحيان. « مارغريت دوراس,اكرير
الكتابة عن الكتابة تعني أيضا الكتابة عن العزلة لمارغريت دوراس، «المحتبسة» في منزلها في نوفل لوشاتو في شمال وسط فرنسا. وهناك، كتبت الكاتبة الفرنسية- صانعة الأفلام- العديد من الكتب في حين كانت تصارع الوحدة لإخراج سيل من المشاعر والذكريات التي حملتها في داخلها. الجوع والإرهاق العاطفي والألم، هذه المشاعر الحقيقية كانت كالروتين الانضباطي (أي النظام والانضباط الاختياري) الذي استغرق سنوات عديدة من حياتها، استثمرتها في الكتابة، قالت: «أيضا عدم الكلام، الحفاظ على الهدوء، أن تصرخ دون ضجيج … هذا التدمير الذاتي في المنزل ليس طوعيا، أنا أحبس نفسي هنا كل يوم من أيام السنة». بدلا من ذلك، تصف دوراس الحبس الانفرادي لها كحاجة أساسية وحيوية كالكتابة نفسها.شرط ونتيجة لبعضهما البعض، وذلك ببساطة. هذا البيت، الذي كان أكثر من مزرعة قديمة من منزل توني ريفي وسكن فيه جنود ألمان خلال الحرب العالمية الثانية. تم العثور على قمامتهم مدفونة ومتناثرة بالقرب من المحار وعلب الدهن، شظايا من الفخار خشنة مسننة مصنوعة يدويا من قبل السكان المحليين، أقامة فاخرة للمحتلين في أرض أجنبية. هو مكان مسكون من قبل الذكريات التي عاشها اولئك، تتصورها، الفزع الناتج عنها أضيف حتما إلى حلقة الأفكار solipsistic القلقة التي تحوم في عقلها، وكثيرا ما وضعت على الورق.
تأمل دوراس في المزج بين الكتابة والعزلة ان تصل من خلال العلاقة الحميمة الخام مع الأحتجاز الضروري الى تجنب عجز المشاركة في ما يسمى العادي، يوميا، والحياة الاجتماعية expulses لتعيش موجات من المحنة والعزلة الشديدة. قد يجد البعض صدى كلمات شانتال أكرمان واضحا في كتابها الأعترافي الشبيه بكتاب مذكرات (ما امير)، والذي تم نشره في عام 2013 و تعرض الى النقد الصاخب في فرنسا (وهو بالكاد يعرف في مكان آخر). حينها قدمت أكرمان قراءة ساحرة ودرامية لجزء بارز من المخطوطة الانجليزية للكتاب في الحدث الجانبي في ملتقى نيويورك المسمى ب»المطبخ» في أكتوبر من ذلك العام. تم قراءة جزء من الكتاب فقط لأن الجمهور كان عصبيا وغير صبور بشكل مزعج، وأكرمان، كانت حساسة اكثر من أي وقت مضى، وتناغم احساسها مع اللهجة والحركة في الغرفة، و قبل النهاية قذفت ما تبقى من صفحات في الهواء، باسلوب ميلودرامي ينم عن تخليها عن الحدث. ثم صدرت تلك الكلمات بلهجة فرنسية اشبه بكثافة الدخان فكانت (غير مفهومة للبعض؟)، وكانت كومة الصفحات المتبقية على مدى 40 دقيقة من زمن القراءة (شاقة للبعض؟)، ولكن الطبيعة الخام الصادقة غير المزيفة للكتاب، المجردة من سلاح الكلمات كانت (غير مريحة للغاية بالنسبة لبعض؟). كما ضم الكتاب المزيد من ألاسرار أو الافشاءات و الاعترافات الذاتية لأكرمان التي صدرت عن الضعف والشلل والتراجع، العناد الطفولي، المكابرة، والنضال العاطفي والنفسي المتواصل. وبعبارة أخرى، نوع من ألالم النقي. انبثقت المشاعر الحميمية النادرة من كل جملة، دون خجل، بعضها أجزاء صر يحة، وبعضها قبيحة واخرى آسرة. مثل الحقيقة الممزوجة مع الرحلة الوهمية، اعتمدت اكرمان الحياة كبروفات لحياة سينمائية، و تعويضا عن عدم وجود صور مصاحبة، كان صوت أكرمان الجاف مهدئا.
في فيلم (بدون بيت)، يبدو الأمر كما ان المخرجة الكندية شانتال أكرمان، ربما للمرة الأولى في حياتها المهنية، تكشف عن جوهر عملها وجراحها بأكثر الطرق وضوحا: من خلال تركيزها بشكل متكرر على الحبس، والمواجهة و شوقها لان تكون في أي مكان آخر. فعدم استقرارها يثير للدوار، يرافقه شعور الخوف من الأماكن المغلقة الحاد يظهر في الشقة. في الكتاب، تتحدث شانتال مطولا عن محاولتها بأن تصون نفسها من مرض والدتها وكلها توق لرغبات الجسد، بينما تعزل نفسها في غرفة فوضوية للكتابة. هذا العمل اليومي ليس لمجرد الخلاص من المجتمع وخطى الموت الذي لا مفر منه، ولكن أيضا من مهمة شانتال المتواصلة بلا هوادة في تعلقها بماضي والدتها، حيث تواظب على استرداد الذكريات مهما كانت مؤلمة أو تافهة في تفاصيلها عندما تصغي للأم تتحدث وتروي قصتها، قصتهم.
ومع ذلك، فيلم (بدون بيت) في حوار مع الكثير من أفلام أكرمان، التي تركز على إلتفاصيل اليومية بهوس وصرامة يكون واضحا في الكشف عن علاقة جين ديلمان الحميمة والمعقدة مع والدتها والتي تشكل أساس الأخبار من المنزل (1977)؛ ثم يأتي مقال أكرمان المدمر عن المنفى، (لا بأس) 2006، عندما وجدت نفسها مجبرة على استئجار شقة في تل أبيب مبتعدة عن العالم الخارجي، غارقة في فيضانات من الأفكار المؤلمة والمخاوف ونقاط الضعف التي ايقظت تاريخها العائلي مع معسكرات الموت.
أسلوبيا، وعلى الرغم من أن الفيلم مختلف تماما عن روح العمل السينمائي، وأقرب في الشكل واللهجة إلى (لا باس)، الذي تم تصويره أيضا بكاميرا الفيديو وتم تصويره في قطعة منعزلة في الغرفة الشخصية، لكن فلم (بدون بيت) هو نوع مختلف من التجربة الراديكالية تذكرنا تماما بفيلم نيكولاس راي عام 1973 (لا يمكننا العودة إلى ديارنا مرة أخرى) وهو العمل الذي كان يمكن صنعه بشكل مختلف عند الاخذ بنظر الاعتبار الاعمال الضخمة للمخرج. وفيلم (بدون بيت)، هو نوع من التامل ومحاسبة الذات، هو حديث عن الخسارة والحزن بقدر ما هو بحث عن الهوية والهدوء، هو البحث عن وطن داخل الذات عندما لايمكن للمجتمع المحيط ان يكون وطن، وعندما لا يمكن للبيت ان يكون مجرد جدران واثاث، فاكرمان تحاول ان ترسم عالمها الخاص من على الورق في عزلتها بعد ان اختارت الحبس الاجباري والابتعاد عن عالم لاتشعر بالانتماء اليه، وفي النهاية فان فيلم (بدون بيت) ليس فيلما عن بيت: بل فيلما عن الذين لا يملكون مأوى حتى في بيوتهم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة