أمل طه في انتظار الغد البعيد

سيدة الكوميديا في العراق ومحنة المرض

بغداد ـ وداد ابراهيم:

لم ترتقِ الكوميديا على المسرح الا حين وقفت أمل طه على خشبته في السبعينيات من القرن الماضي في مسرحية ( فتاح فال) مع نجم الكوميديا الراحل خليل الرفاعي وعلى الرغم من فارق العمر بينهما وبمواقف كوميدية انتمت الى كوميديا الموقف، استطاعت هذه الفنانة في هذا العمل ان تقدم شخصية المرأة الشعبية الساذجة التي تريد ان تجمع المال بأي طريقة وبعفوية مدركة واداء عالي جسدت الكوميديا واستطاعت ان تحسم الوقفات والحركات والخطوات وايحاءات الوجه التي تنم عن امرأة ماكرة بديناميكية وايقاعية واضحة واستطاعت ان تنسج من حبكة النص حبكة العرض وحبكة شخصيتها.

الطفلة المشاكسة
ولدت الفنانة أمل طه في سوق الشيوخ في الناصرية عام 1950 عن ام بسيطة ، واب يعمل مضمد صحي في مستشفى الناصرية، في الخامسة من عمرها انتقلت عائلتها الى الكوت فنالت تعليمها في الكوت.
في الابتدائية كانت الابرز في المهرجانات والمناسبات وتذكر في ذلك انها كانت تحمل سلال الورد والياس في المناسبات وتحديداً في يوم عيد الشجرة وتشارك في احتفالات رمزية في الشارع وتصورت انها تمثل شيئًا ما ،لانها تدرك بان الظهور أمام حشد من الناس والمواجهة معهم في قضية يتطلب الثقة بالنفس وقوة الارادة.
كانت حفلات نهاية العام من نصيب أمل طه .. طفلة مشاكسة مرحة تحب المواقف الكويمدية وتقوم بتجسيدها أمام ادارة المدرسة ، في المتوسطة نالت اعجاب الصديقات في تقليدها لمشاهد كوميدية فكان الطريق الى النشاط المدرسي والمشاركة باعمال مدرسية كثيرة شغلتها عن الدراسة واشغلتها بالفن والتمثيل .
انهت دراستها الاعدادية في الكوت وجاءت بمعدل يرشحها للدخول الى كلية القانون ،المهنة التي عشقتها دائمًا واعدتها فن من فنون الخطابة والدفاع عن النفس والاخرين ولكن بين العشق والرغبة هوة كبيرة .
وظلت في حيرة من امرها وكانت قد اخذت اوراقها لتقدم الى كلية القانون لكنها عكفت عن ذلك واخذت اوراقها الى كلية الفنون الجميلة وكان معدلها يؤهلها لذلك فلم يبق الا الاختبار الذي لم يكن صعًبا عليها وامام لجنة الاختبار والتي تتكون من كبار الفنانين واستاذة المسرح قدمت الاختبار فكان الاختيار الفن لاغيره بل وكان المسرح .
خطواتها على المسرح
في قسم المسرح فرع التمثيل بدأت أمل الخطوات الاولى للدخول الى علم الفن الحقيقي والاكاديمي ،ممثلة جاهزة بدأت ناضجة بفطرتها وموهبتها فكانت سنوات الدراسة تجربة كبيرة ومهمة في حياة امل طة وهي تقف امام كبار الفنانين والمسرحيين والممثلين تمثل المسرحيات العالمية بفاعلية وادراك عالي وحس فني مرهف حتى انهت دراستها في الكلية عام 1974
كانت أمل طه خلال سنوات الدراسة قد سكنت في الاقسام الداخلية فتعودت على الحياة في بغداد،فتاة مرحة اندمجت بالحياة البغدادية وتفاعلت مع زميلاتها في الجامعة فوجدت ان تواصل حياتها في بغداد ولا تعود الى مدينتها الكوت ،وصارت تقد م اعمال مسرحية لكبار المخرجين مثل فاضل خليل ابراهيم جلال وسامي عبد الحميد هذه العوالم وقفت حائلا امام عودتها الى مدينتها الكوت . وفي عام 1977 انتمت للفرقة القومية للتمثيل فكانت مسرحية الكنطرة اول عمل للفرقة لتظهر فيه كممثلة بارعة في الكوميديا مما دعاها لتكون بطلة تمثيلية سينما والتي قدمت من تلفزيون بغداد وتعد من افضل الاعمال الكوميدية التي قدمت حينها و التي علقت في اذهان الجمهور حتى الان وعرفها الجمهور كممثلة كوميدية لانها عرفت حدود الدور وابعاد الشخصية وامتداد المشهد واحتواءه فعملت في الدراما التلفزيونية بدور المرأة البغدادية الشعبية البسيطة التي تتعامل من منطلق فطرتها وطيبتها.

مواهب متعددة
لم تكن أمل طه فنانة اعتيادية بل تجاوزت حدود موهبتها لحبها للفن الذي تفوق على موهبتها وهذا ما جعلها تعطي لادوارها نكهة خاصة بها، فتفردت بلون خاص بها دون ان تتأثر باي فنانة عراقية او عربية ومن دون ان تسبقها في هذا اللون واقصد الكوميديا اي فنانة عراقية.
اما على المسرح فهي ايضًا لها لونها الخاص واسلوبها واتجاها في الاداء تسكب ابداعها بحب وحرية وكأنها امام حقيقة وليس تمثيلا ،حبها للفن جعلها تستقر في بغداد وابعدها عن فكرة الزواج فعرفت كابرز وجه تلفزيوني ومسرحي وهذا ما شجع التلفزيون لدعوتها لتقديم برامج .
كان برنامج استراحة الظهيرة منتصف التسعينيات من افضل البرامج والذي قدمته مع الفنان محمد حسين عبد الرحيم وقد نال اعجاب الجمهور وكان لها ايضا برنامج( نص ستاو) وقد نال اعجاب الجمهور حيث مزجت الكوميديا مع التقديم فكانت شخصيتها هي السبب في نجاح البرامج التي قدمتها .
دخلت مسرح الطفل وقدمت مسرحية بدر البدور وحروف النور فكانت الافضل والاكثر اقناعًا لانها تمتلك مقومات الممثل المتكامل إضافة الى قدراتها الفنية والابداعية فان بدانتها وقصر قامتها وملامح البراءة والطفولة التي تمتلكها هذه التفاصيل ساعدتها لتكون ممثلة كوميدية.
قدمت كل الادوار بين الشعبي والتراجيدي والكوميدي كما انها قدمت شخصية المرأة الشريرة واجادتها اي اجادة.
لم يكن لها نصيبا في السينما الا في فلم واحد وهوفلم ( زمن الحب )للمخرج كارلو هيرتيون الذي عرض في بغداد عام 1991في سينما المنصور تناول الفلم حياة شاب عراقي عاش معاناة خلال الخمسينيات والستينيات شاركها البطولة بهجت الجبوري وخليل الرفاعي.

محنتها مع المرض
تعرضت هذه المبدعة قبل سنوات الى وعكة صحية ادت بها الى التوقف عن العمل الفني بل وعن الحياة الفنية بنحو عام، اذ تلقى الرعاية من قبل وزارة العمل والشوؤن الاجتماعية في احد دور رعاية المسنين وتلقت الرعاية من قبل بعض المسوؤلين وبالتحديد وزارة الثقافة.
امل طه تجاوزالستين من العمر ويجد بعض الفنانين العراقيين ان هذه الشخصية لن تتكرر في الكوميديا المسرحية والتلفزيونية، بل قد لا تعرف الدراما التلفزيونية مثل هذه المبدعة التي سخرت طاقتها وشبابها وحياتها للفن واخلصت لتجربتها في فن التمثيل.
تحية حب واجلال واحترام لك يافنانة العراق امل طه نتمنى لك الصحة والعافية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة