طبقات الشهداء

سلام مكي *

أموات العراق، مثل أحيائه: يقسمون الى عدة طبقات وفئات، حسب طريقة موتهم، وانتمائهم الطائفي والمذهبي في الحياة. والعهد الذي ماتوا فيه. لكل هذه الاعتبارات، دور كبير في تحديد طبقات الموتى. ولاشك ان اكبر طبقة هي طبقة الشهداء. تلك الفئة التي تشكل نسبة كبيرة من الاموات العراقيين، بسبب الحروب المزمنة والمزاجيات السياسية للحكام واتباعهم في اشباع غريزة القتل. قبل سقوط النظام السابق، كانت طبقة الشهداء هي اكثر الطبقات عدداً واكثرها تمتعا بالامتيازات المالية والمعنوية، اقصد لذويهم طبعاً. بالمقابل، ثمة طبقة من الموتى، ملعونون هم واهلهم، يمنع حتى اقامة مراسيم العزاء لهم. وهؤلاء هم اعداء النظام، الذين قتلهم بدم بارد، لأتفه الاسباب، بعضهم شارك في الانتفاضة عام91 وبعضهم لم يشارك، مجرد وجوده في مكان لا يفترض وجوده فيه، وبعضهم اخذ في اثناء ارتكابه لجرائم معينة في اثناء الفوضى الامنية في احداث سنة91. بعد التغيير، تغيرت الموازين، فأصبح المقربون مبعدين، والمبعدون مقربين. فالنظام الجديد، حاول اعادة الاعتبار لضحايا عدوه( النظام السابق) فشرع قانون مؤسسة الشهداء، بغية منح الشهداء الذين قتلهم النظام السابق حقوقهم المادية والمعنوية وتعويض عائلاتهم. فعرفت المادة 5 اولا من قانون مؤسسة الشهداء رقم3 لسنة 2006 الشهيد على انه: كل مواطن عراقي فقد حياته بسبب معارضته للنظام المباد في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم، بفعل من أفعال النظام بشكل مباشر أو بسبب السجن أو التعذيب أو نتيجتهما، أو بسبب عمليات الإبادة الجماعية وضحايا الأسلحة الكيمياوية والجرائم ضد الإنسانية والتصفيات الجسدية والتهجير القسري. فكل من قتله النظام السابق فهو شهيد. بشرط ان يكون معارضاً للنظام المباد، فمن قتل دون ان يكون معارضا او ليس بسبب رأيه المخالف لرأي النظام لا يعد شهيداً، حسب هذا النص. الواقع لم يكن مطابقا لهذا النص، اذ عدّت المؤسسة جميع من قتله النظام، في اثناء الانتفاضة او قبلها، او بعدها، شهيداً، لأي سبب كان، خصوصاً ان قتل على ايدي اجهزة ذلك النظام. وفعلا، تم اعطاء اغلب ضحايا النظام السابق حقوقهم المادية وبشكل مجز، ومازالوا يتمتعون بتلك الحقوق. اضافة الى امتيازات آخر، كالحصول على وظائف والحج والعمرة وغيرها، ووصل الأمر الى احفاد الشهيد، يتم تعيينهم في الدوائر التي يرغبون بها. الظاهرة التي حصلت بعد التغيير، وهي الانفجارات والقتل على الهوية أسهمت ببروز طبقة جديدة من الشهداء، وهذه تتزايد بنحو يومي، اذ ان الانفجارات لم تتوقف منذ الايام الاول للتغيير ولحد اليوم، مما يعني ان ثمة ضحايا لذلك الارهاب، ولابد من تسميتهم شهداء. ولغرض معالجة الوضع القانوني لهذه الطبقة، تم تشريع قانون تعويض ضحايا العمليات الارهابية. الذي نص في المادة ثانيا: يمنح ذوو الشهيد مبلغاً مقداره ثلاثة ملايين وسبعمائة وخمسون الف دينار! أما بالنسبة للشهداء من منتسبي القوات الامنية، فيمنح ذووهم مبلغاً قدره خمسة ملايين دينار. ولا نعلم، على وفق أي اسس، تم وضع هذا المبلغ ليكون بدلا لحياة انسان، تسبب الاهمال والتقصير في فقده لحياته، فلو ان الجهات الحكومية المختصة، قامت بواجبها في حماية ارواح الناس، لما وجد هذا الكم من الشهداء. فالدولة، لم تقم بواجباتها في حماية ارواح الناس، وكذلك لم تقم بواجبها الشرعي والوطني في تعويض ذويهم، تعويضاً عادلا، اذ تبخسهم حقهم، في منحهم مبالغ زهيدة قد ينفقونا في ترويج المعاملة التي تصطدم بعشرات المطبات المقصودة والاجراءات الروتينية التي تستمر الى سنين من دون ان ينال المتضرر من الارهاب او ذوو الشهيد حقوقهم. وبعد سقوط الموصل، وازدياد خطر الارهاب على الدولة، واعلان فتوى الجهاد الكفائي من قبل المرجعية الدينية، تشكل الحشد الشعبي الذي يقاتل اليوم داعش، ومن الطبيعي ان يسقط شهداء وجرحى من الحشد وهم يدافعون عن الوطن وتلبية لنداء المرجعية. فهنا ظهرت الحاجة الى استيعاب هذه الطبقة الجديدة من الشهداء، وشمول ذويهم بالحقوق والامتيازات، كرد للجميل الذي قام به الشهيد الذي ضحى بحياته من اجل وطنه. وهذا ما حصل مؤخراً، اذ شهد البرلمان قراءة مسودة قانون تعديل قانون مؤسسة الشهداء لاستيعاب شهداء الحشد. ما حصل وعلى ذمة النائب محمد اللكاش ان كتلة سياسية رفضت ضم شهداء الحشد الى قانون المؤسسة لأن المقصود بالشهداء حسب تصوراتهم هم شهداء النظام المباد فقط، وان اعتبار قتلى الحشد شهداء مثلهم مثل شهداء الانتفاضة يؤدي الى ضياع الصبغة الرمزية والمعنوية للشهداء على حد قول رئيسة مؤسسة الشهداء الذي تلاه النائب المذكور في مؤتمر صحفي. وبعد هذا التصريح للنائب، ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي صفحة تدعي انها لمحبي رئيسة مؤسسة الشهداء، مهمتها الاساسية اظهار الرئيسة وهي مهتمة بشهداء الحشد وترويج معاملاتهم وزيارة ذويهم. مما يعني انها تريد نفي ما جاء على لسان النائب! وقبل ذلك المؤتمر، اقام ممثلو تلك الكتلة السياسية مؤتمراً اتهموا فيه هذا النائب بأنه هو من يعرقل ضم شهداء الحشد الى المؤسسة! ولا ندري ايهم على حق!

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة