عدنا ثانية!!

يستمر العرض، منذ سنوات، بل منذ عقود، وبين فترة وفترة اخرى هنالك فاصل.. عشرات القنوات والمحطات الاذاعية تطالعنا اينما كنا، كلها تنشر (الحقيقة) ولاشئ غير (الحقيقة) حتى اطفالنا باتوا يعرفون الحقيقة وينطقونها مع اول لثغة.. بائع الخضروات هو ايضا يعرف الحقيقة وسائق التاكسي وابو رسل مصلح المولدات الذي يجادلني في الاصلاحات ولمن ستكون الغلبة ويمعن في تحليله السياسي ليختتم حديثه بالضربة القاضية :كلهم حرامية والبلد الهم، المهم نلطم ونطبخ براحتنا. وفي العمل.. يبدأ الجدال عادة بالجزع بسبب الظروف الامنية والكهرباء والغلاء لترتفع درجة حرارته عندما تتصادم وجهات النظر فتنبز الاتهامات بالطائفية ويحين الفاصل ليهدأ الجميع فلا يجوز ان يخسر بعضهم بعضاً بسبب النقاش حول «وطن»! اعضاء الحزب الواحد او الكتلة يعرفون الحقيقة حول زيف اجنداتهم.. المسؤولون ايضا يعرفون وكلما حدثت احدهم على انفراد هز رأسه بحزن مواطن صالح وقال: لايوجد حل الا باجتثاث الفساد والولاء للوطن فقط!!
وبين فاصل وفاصل آخر يدوي انفجار، ثم الآخر وقد تتزامن التفجيرات في يوم واحد لتشكل ضربة واحدة، فذلك افضل لهم ولنا.. فهم يحققون يوماً دامياً يمكنهم من الافلات من (انتشار) القوات الامنية الذي يعقب يوم الحادث، ونحن.. ننتهي من مظاهر الحزن والحديث عن الخبر والاتهامات في يوم واحد، ففي قلوب المفخخين ومن يخطط للتفجيرات بعض الرحمة لانهم لايريدون اثارة قلقنا كل يوم. لايهم.. هي ليست حرب مستمرة على الارض، وانما هي حرب اعصاب، والعراقي (كدها) فقد اثبت طيلة العقود الثلاثة الماضية ان اعصابه حديد وان بامكانه ان يتحمل اية حرب مقبلةة.
معظم وسائل الاعلام تتحدث عن استتباب الوضع الامني منذ انتهت الحرب الطائفية، حتى طلبات اللجوء صارت ترفض لاهالي الوسط والجنوب لاستتباب الوضع الامني، الم يعد الطلبة الى مدارسهم وجامعاتهم؟ والدوائر عادت جميعها للعمل وان كانت هنالك احاديث (مغرضة) عن الرشاوى والمحسوبيات والوساطات.. لاتوجد ازمة بنزين والمحطات تفتح ابوابها لتوزيع النفط في الصيف. صار بامكان العراقي ان يظل خارج بيته حتى الثانية عشرة ليلا او يخرج بعد منتصف الليل في حالة شعرت زوجته باعراض الولادة.. الاسواق ايضا مكتظة واصبح لدينا (مولات) ومشاريع استثمارية.. صحيح انها لم تكتمل بعد، والشوارع مازالت مليئة ب(الطسات)، لكن هذا لايعني شيئا، فالآليات تنتشر في كل مكان. مازال هناك متسولون وارامل وبعض جرائم الخطف والمتاجرة بالفتيات و(شائعات) عن انتشار المخدرات.. لكن هذا لايعني شيئا فالوضع الامني مستقر منذ بدأت خطة القانون وصولة الفرسان وغيرها قبل خمس او ست سنوات. حقيقة، لم نعد نتذكر متى استقر الوضع الامني فالفواصل كثيرة، وكل منها يستمر لشهر او شهرين لتعود الهجمات وتتناثر الاشلاء، لكنه امر هين فنقاط التفتيش سرعان ماتنتشر، خصوصاً وقت الغروب او (براس الجسر)، لايهم طالما ان مانخسره هو (الوقت) فقط، ومن أمهر منا في اضاعة الوقت، وماذا ان قدمنا نصف يومنا فداءا لخططنا الامنية؟ العمر كله امامنا..
(نزل الجامة..طفي اللايت.. افتح الكلوب الداخلي).. ويفضل ان تبتسم كي لايحقد عليك العنصر الامني الذي يتحمل حر الشمس صيفاً والبرد شتاءا والخوف في ظلام الليل، فهو يسهم في بسط الامن من خلال اشارة يده الناعسة في حين يوليك ظهره او يتحدث مع رفاقه واحياناً يجلس على الرصيف يقلب في جهازه الخلوي بحثا عن اغنية او رقم حبيبة ليتولى الحاجز السيطرة على الامن فيصعد الدم الى رأسك وانت تشعر انك وسط زنزانة كبيرة.. قدمك مربوطة بسلاسل ومطلوب منك ان تتنقل من دون ان تحدث صوتا.. لتفاجأ بعد مدة بانفجار في نقطة التفتيش. لم يعد احد يتساءل اين حدث الانفجار ولا حتى عن عدد القتلى … بل انشغل الناس باخبار التظاهرات التي صارت روتينية ايضاً، وبالاصلاحات التي ومضت كحلم ليلة صيف، بينما استمر البرلمان بمناقشة قوانين ليس لها علاقة بما يدور!
كل شئ بخير.. نذهب الى العمل كل يوم، مواكب الرجال الخاكيين باصناف جديدة تعاكس السير وتصم الاذان باصوات المنبهات، المطر يهطل بكثرة، هناك اخبار عن التقشف ومجاعة محتملة، لكن الاسواق تغص بالمتبضعين، كل شئ ب(خير). صباح اليوم، فقط، دوى صوت انفجار زلزل بوصلة (الخير)، ليكتسح الوجوم وجوه المارة خوفاً من ان يكون غياب التفجيرات كان مجرد فاصل، ليطل الارهاب بوجهه صارخا: عدنا ثانية!!
بشرى الهلالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة