البطاقة الوطنية الموحدة وثغراتها

علي صابر محمد *

في خطوة جيدة ومتقدمة تقوم وزارة الداخلية باصدار البطاقة الوطنية الموحدة بغية توحيد وتجميع البيانات للعراقيين في مركز واحد والاستغناء عن هوية الاحوال المدنية وشهادة الجنسية العراقية وربما أيضا من بطاقة السكن والبطاقة التموينية مستقبلا وبذلك تطوى صفحة المتاهات والاذلال التي كان المواطن يغرق فيها لفترات طويلة ، وسبق ذلك أصدار البطاقة الانتخابية والتي وبرغم نواقصها الا أنها كانت عملية تنظيمية موفقة أدت دورها في انجاح العملية الانتخابية بنحو أيجابي ويمكن تطويرها مستقبلا لتسهيل العملية الانتخابية كممارسة حضارية أصبحت من مستلزمات الحياة المتطورة في الدول المتقدمة وفي ثمانينيات القرن الماضي كان هناك اصدار للبطاقة الموحدة ونفذت في بعض مناطق بغداد وتسلمت الكثير من العائلات نسخة من البطاقة بلونها الأخضر وفيها لكل عراقي رقم محدد ولكن جرى ايقاف العمل بها وفشلت التجربة في حينها ، واليوم يعاد أحياء التجربة التي نتمنى لها النجاح في تنظيم الوضع القانوني للمواطن والتخلص من الروتين القاتل الذي يعاني منه العراقي وكثرة المراجعات والاخطاء التي تحصل جراء عقم الآليات القديمة المتبعة ، وكل تلك الفعاليات هي أمور فنية يمكن تخطيها بجهود المخلصين من الشباب الواعد وذوي الكفاءات العلمية الذين زجوا في الاجهزة الحكومية ولكن يهمنا في الموضوع هو الرؤية الاستراتيجية لممثلي الشعب تجاه هوية المواطن ومدى تحقق العدالة الاجتماعية وتنمية أرتباط الفرد بالعراق ومد جسور المحبة بينه وبين الوطن وعدم هضم حقوق الاقليات في مجتمع عرف بالتنوع الثقافي والديني والعيش المشترك لمكوناته العرقية والأثنية والطائفية عبر قرون وعلى أرض الرافدين تآخت هذه المكونات وتمتعت بخيرات الارض بمحبة ووئام ولم يشهد التاريخ صراعاً فيما بينها الا في العهد الجديد وبتغذية من المحتل وبأستجابة لا تخلو من السعي للكسب غير المشروع للمتطرفين والساسة الجدد من هذه الفرقة والتخندقات الضيقة.
لقد ورد في المادة 26 ثانياً من قانون البطاقة الوطنية الموحدة ما نصه ( يتبع الاولاد القاصرون في الدين من أعتنق الدين الاسلامي من الابوين ) وهذه المادة تعد الأجهاز الكامل على بقايا الأقليات التي تصارع من أجل بقائها في العراق والتمسك بتأريخها في المنطقة وخطوة قانونية لأفراغ البلاد من الاقليات فبعد عمليات القتل والتهجيرالقسري التي تعرض لها المسيحيون والصابئة المندائيون وسلب ممتلكاتهم والاستباحة اللاأنسانية التي شهدناها بحق الأيزيديين وموجات الهجرة الجماعية لهذه الأقليات يأتي هذا القانون ليطلق رصاصة الرحمة على هذه المكونات ويمسحها من خارطة العراق ففي بلادنا توجد البهائية والكاكائية والزرادشتية أضافة الى المسيحية والصابئة المندائية والايزيدية وجميعهم مع المسلمين شكلوا باقة ورد جميلة في روضة العراق ، وبرغم أعتراض ممثلي هذه المكونات في البرلمان على تمرير هذا القانون قبل تعديله وألغاء المادة 26 منه ولكن يبدو أن الغالبية أنساقوا وراء تعصبهم الديني متجاهلين الاعراف والمواثيق الدولية والمعاهدات وحقوق الانسان الدولية التي وقع عليها العراق برغم تشدقهم أمام وسائل الاعلام وأدعائهم بأنهم مع وحدة العراق وحفظ كرامة أبنائه في أزدواجية مضحكة ، وما زالت محاولات ممثلي الاقليات مستمرة في رفض هذه المادة جراء شعورهم بالأجحاف والغبن وأصابتهم بخيبة الامل من موقف شركاء العملية السياسية ، ولقائهم برئيس الجمهورية بوصفه حامي الدستور يأتي لدفعه الى عدم المصادقة على قرار البرلمان ونواياهم في اللجوء الى المحكمة الاتحادية للطعن به قائمة ، أن هذه المادة تفرض على القاصرين من أولاد الاقليات أعتناق الدين الاسلامي كرهاً وهذا مخالف لما ورد في القرآن الكريم ( لا أكراه في الدين ) فبعد بضعة عقود سوف لن يبقى من الاقليات شخص يعتنق غير الاسلام وبطريقة مهذبة يتم تصفية هذه الاقليات وأخراجها من البلاد ، فأذا كانت داعش وبطريقة أجرامية تعاملت مع غير المسلمين بالذبح والحرق وأنتهاك الاعراض وسبي النساء وسلب الممتلكات وقدمت للعالم صورة مشوهة عن الاسلام وأهله ، فأن قادة بلادنا يحاولون بشكل هاديء الوصول الى هدف داعش نفسه ولكن بطريقة ناعمة وهنا نتساءل ما هي الميزة التي سنحصل عليها بتثبيت الديانة في هذه البطاقة وما هي الحكمة من ذلك ؟ وهل ستكسب حاملها التزكية السماوية أمام الخالق ؟ وهل ستمنحه صك الغفران أم أن اعماله هي سبب نجاته من سيئاته ؟ لقد وصل التعصب لدى أحد قادة البلاد الى طلب تثبيت المذهب في البطاقة ليبرهن أن طائفته هي الأكثر عدداً متناسياً بأن ذلك سيشق المجتمع ويمزق نسيجه ونحن بأمس الحاجة الى توحيد الصفوف وليس تشتيتها ، ومقابل هذه المعاملة التعسفية للأقليات فلننظر كيف تعاملت كندا هذه الدولة غير المسلمة مع أقلياتها ففي التشكيلة الوزارية لها قبل أسابيع تم أستيزار أثنين من السيخ وظهروا على شاشات التلفاز عند ترديد القسم وأحدهم بزيه الديني وعمامته ولحيته المعروفة و تسلم حقيبة وزارة الدفاع الوطني والوزيرة الثالثة مسلمة ولم يتم فرض أية قيود أو قوانين عليهم لتغيير ديانتهم أو شعائرهم أو زيهم.
اننا نعيش في القرن الواحد والعشرين حيث تحول العالم الى قرية صغيرة نتعرض فيها جميعاً الى الكوارث الطبيعية والاوبئة وتتسارع الدول لتقديم يد المساعدة للمنكوبين من دون النظر الى ديانتهم أو قوميتهم سوى كونهم كبشر وبدوافع أنسانية لأنقاذهم من هذه الكوارث ، واليوم والحرب المشتعلة في المنطقة والدمار الذي أصاب العراق وسوريا والهجرة الجماعية للعراقيين والسوريين والكل يشاهد هرب هذه الجحافل الفارة من مناطق القتال لجأت الى دول غير أسلامية وتقبلتهم وتسابقت هذه الدول لأيواء اللاجئين كمأساة أنسانية يتكاتف الجميع لحل مشكلاتهم وحمايتهم من جحيم المعارك وتوفير الامان لهم ولم يفرض عليهم ترك الاسلام و أعتناق ديانة البلد الجديد ، ألا يفكر قادتنا الجدد بما يحصل في العالم من تطور أنساني ويتقدمون الى أمام في خدمة بني البشر ؟ ألا يترفعون عن الانتماءات الضيقة عسى أن تصيبهم عدوى التقدم ولا يتراجعون الى الوراء ؟

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة