فخري كريم يلعب بنار الطائفية

عبد الخالق حسين*

غني عن القول أن وضع العراق هش وخطير وقابل للاشتعال في أية لحظة، وهو أشبه ببرميل بارود مكشوف ينتظر شرارة عابرة لتفجيره وحرق اليابس والأخضر. وفي هذه الحالة، فالمطلوب من جميع المخلصين بذل قصارى جهودهم لاحتواء الأزمة، والعمل على تهدئة الوضع، للحفاظ على وحدة وسلامة العراق. ولكن الذي يجري، وخاصة من قبل شريحة من الذين يدعون الثقافة والحرص على العراق، هو العكس تماماً، إذ نراهم يعملون على إشعال الحرائق الطائفية والعنصرية التي إذا ما اشتعلت سوف تهلك الحرث والنسل، ولا تبقي ولا تذر.
ومن هذه الأعمال الخطيرة التي تواظب عليها صحيفة (المدى) لصاحبها فخري كريم زنكنة، نشر الأخبار الكاذبة التي من شأنها إلحاق الضرر بالعملية السياسية، وكان آخرها خبر مفاده: «استبعاد المكون الشيعي من مجموع الطيارين الذين سيتم إرسالهم الى الولايات المتحدة الامريكية لغرض التدريب.» وكالعادة في مثل هذه الحالات، أدعى كاتب الخبر أنه تلقىاه من قيادي في التحالف الوطني رفض الإفصاح عن اسمه!!! وتبين فيما بعد أن الخبر مفبرك وعار عن الصحة.
ليس من عادتي التعرض لشخصيات، سياسية أو إعلامية، بشكل مباشر أو غير مباشر، ومهما اختلفت معهم في الرؤى الفكرية والسياسية، إلا إذا هم تعرضوا لي أولاً، ووجدت تعرضهم يستحق الرد، وإلا ففي أغلب الأحيان أتجاهلهم. وفخري كريم لم يتعرض لي شخصياً، رغم أن أحد كتاب صحيفته، (وهو بعثي سابق)، تعرض لي بالهجوم في صحيفته (المدى)، ومع ذلك لم أرد عليه لأنه لم يستحق الرد. ولكن تصرفات فخري كريم باتت تهدد مستقبل شعب وهو يمر في أخطر انعطافة تاريخية، حيث السكوت عنه في هذه الأحوال، نوع من التخاذل، إذ كما قال مارتن لوثر كنغ: «المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار».
من نافلة القول أن فخري كريم شخصية مثيرة للجدل، والريبة، ليس من قبل الناس البعيدين عنه فحسب، بل وحتى من المقربين له من رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يوماً عضواً قيادياً فيه ومسؤولاً عن ماليته. فمن الألقاب التي عرف بها الرجل، لقب (الشيوعي المليونير)، ولا نعرف من أين أتى فخري كريم بهذه الثروة الكبيرة التي أتاحت له تأسيس ما يطلق عليه البعض بـ(إمبراطورية فخري كريم الإعلامية)، وبذلك فهو بمثابة روبرت مردوخ العراق.
ومنذ السبعينات أيام «الجبهة العتيدة» مع البعث الحاكم، كان قد أثار فخري كريم شكوك رفاقه في قيادة الحزب الشيوعي، حيث اعتقد البعض منهم أنه كان جاسوساً على الحزب لصالح حزب البعث الحاكم آنذاك. ويعتقد آخرون أن استقوائه بالسيد عزيز محمد، السكرتير العام للحزب في السبعينات والثمانينات، هو سبب نفوذه وبقائه في الحزب رغم معارضة العديدي من القياديين الآخرين له.
فتاريخ فخري كريم حافل بسلوكيات غريبة، وأدوار مشبوهة ضد الحزب الشيوعي، وضد المعارضة العراقية أيام حكم البعث، وضد العراق الجديد، حيث جند صحيفته (المدى) ضد العراق وتحت مختلف الذرائع والحجج. وسر نفوذ فخريم كريم في مختلف المراحل، أنه دائماً يعرف كيف يستقوى بالرجل القوي الذي يحتل المركز، سواءً في الحزب أو الدولة. فعندما كان قيادياً في الحزب الشيوعي استقوى بالسيد عزيز محمد كما أشرنا، للحفاظ على موقعه في الحزب، وبعد سقوط حكم البعث استقوى بالرئيس جلال طالباني، ومسعود بارزاني، حيث صار رئيس المستشارين لرئاسة الجمهورية. وقد أحرج الرئيس طالباني بمشاكل كان آخرها دوره في حملة سحب الثقة من رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، الأمر أدى إلى قيام الأستاذ طالباني بطرده والتخلص منه. ولكن بقي متمسكاً بالسيد مسعود بارزاني، ليحقق من خلاله أهدافه في ضرب العملية السياسية في بغداد.
لست من متابعي كتابات السيد فخري كريم، ولا كتابات كادره الصحفي الذين جندهم لأغراضه، فمعظم كتاباتهم لا تختلف عن تلك التي تنشر في مواقع البعثيين، وأعداء العملية السياسية، وإنما أشير هنا فقط إلى بعض المشاكل التي افتعلتها صحيفته (المدى)، والتي اطلعت عليها من خلال ما يرسله لي بعض الأصدقاء على البريد الإلكتروني، أذكر منها ما يلي:
أولاً، تشن صحيفته (المدى) هجوماً متواصلاً بلا هوادة على كتلة سياسية معينة دون غيرها، وهي التحالف الوطني (الشيعي)، ورئيسها السيد نوري المالكي تحديداً، محابيا التحالف الكردستاني، وبالأخص الحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيمه مسعود بارزاني.
ثانياً، ما أن تحصل حادثة اغتيال صحفي، أو سياسي، أو تقع أية عملية إرهابية، حتى وسارع فخري كريم بإلقاء التهمة على الحكومة التي يختزلها بشخص رئيسها، وإبعاد التهمة عن الإرهابيين الحقيقيين الذين هم البعثيون وحلفاؤهم أتباع القاعدة.
ثالثاً، لم يكتفِ فخري كريم بالمشاكل الحقيقية التي ورثها العراق الجديد من العهد البعثي المقبور، بل راح يختلق مشاكل وهمية إضافية من أجل نشر البلبلة الفكرية وإرباك الوضع، مثل اختراعة لقضية (الإيمو) التي أشغل بها الإعلام والرأي العام لأسابيع عديدة، والتي اختفت بقدرة قادر فيما بعد لأنها بالأساس لم تكن موجودة أصلاً.
رابعاً، أعادت (المدى) نشر بيان من موقع (أكا نيوز) الكردستاني، بعنوان (قيادات سياسية توجه بتصوير افلام جنسية فاضحة لمعارضيها)*، في اشارة الى ان رئيس الوزراء نوري المالكي لديه «مقاطع جنسية» بدأ يعمل بها كورقة ضغط، ضد الشخصيات التي تسعى لسحب الثقة عنه. وهذه طريقة أخرى في نشر الافتراءات، بأن يقوم موقع بنشر أكذوبة، وتقوم (المدى) بالترويج لها على أنها نقلاً عن الموقع الفلاني.
خامساً، وكما أشرنا في المقدمة، أطلقت المدى قنبلة طائفية قبل أيام، مفادها «استبعاد المكون الشيعي من مجموع الطيارين الذين سيتم إرسالهم الى الولايات المتحدة الامريكية لغرض التدريب.»
والغرض واضح من هذه الكذبة خلق البلبلة والصراعات بين الكتل السياسية التي هي أساساً متصارعة وقلقة بسبب الانقسام المذهبي والعرقي، ولإثارة الصراع داخل التحالف الوطني نفسه على أمل شق صفوفهم، وكذلك خلق مشكلة بين حكومة المالكي والإدارة الأمريكية حول تسليح الجيش العراقي..! وتبين فيما بعد أن هذا الخبر ملفق لا أساس له من الصحة، حيث نفى قائد القوة الجوية، الفريق الاول الركن الطيار أنور حمه أمين هذا الخبر الذي روجته صحيفة المدى، إذ قال لـ(المركز الخبري لشبكة الاعلام العراقي): «وجدت نفسي مضطرا للحديث عن هذا الموضوع الذي نعتمد نحن فيه الخبرة والكفاءة.. فالوجبة التي ارسلت تضم سنة وشيعية وكرد وتركمان».(2). والجدير بالذكر أن السيد مسعود بارزاني طالب الإدارة الأمريكية بإلغاء صفقة تسليح الجيش العراقي بطائرات ف 16.
قلنا أن سلوك فخري كريم كان مثيراً لشكوك وارتياب رفاقه في الحزب الشيوعي منذ انخراطه بالحركة الشيوعية العراقية، ودليلنا على ذلك شهادات قياديين في الحزب المذكور، نذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر، كالتالي:
أولاً، قال السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي، السيد بهاء الدين نوري في مقال له نشر في (الحوار المتمدن) عن زيارة قام بها لدمشق: «… ولم أحاول إقامة أي صلة مع فخري كريم، الذي كان من أبرز الشيوعيين العراقيين هناك، وكان متنفذا وعلى علاقات جيدة مع نظام البعث ومع جهاز المخابرات بوجه خاص».(بهاء الدين نوري، الحوار المتمدن، 6/4/2011: ماذا رأيت في سوريا؟ -2 )
ثانياً، استشهد القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي، السيد باقر إبراهيم، حول سلوك فخري كريم المريب، بالقياديين الشيوعيين التالية أسماؤهم: زكي خيري، وثابت حبيب العاني، ورحيم عجينة، عمر علي الشيخ، ويوسف سليمان (أبو عامل)، وعادل حبه، إضافة إلى شهادته هو.
يقول السيد باقر إبراهيم: «مع اشتداد حملات القمع التي مارسها النظامُ السابقُ (البعثي) ضدّ الحزب الشيوعي،… وعلى أثر تحقيق حزبيّ أجراه المرحوم حسين جواد الكمر… اتُّهم فخري كريم بالعلاقة بأجهزة النظام آنذاك… وفي أواسط تموز 1978، اعتُقل فخري كريم من جانب أجهزة الأمن، هو وعضوُ اللجنة المركزية عادل حبه، … وقد دعوتُ إلى عقد اجتماع لأعضاء اللجنة المركزية ضمّ 24 عضواً منهم لغرض الاستماع إلى موقفهما عند الاعتقال. وأدوّن أدناه ما ورد على ص 165 من «مذكّراتي:«اتّضح من خلال المعلومات التي أعطاها الاثنان (فخري كريم وعادل حبه) أنّ المعاملة معهما كانت مختلفة تماماً، إذ عومل فخري كريم بلطف ومحاباة وبتوفير سرير مخصَّص لمنامه أثناء فترة الاعتقال وحتى خروجه. فقد بيّن أنّ مناقشاته وأحاديثه كان لها تأثيرُ الرضى والارتياح على مستمعيه في مديرية الأمن العامة. وقال إنه وعدهم بالطلب إلى قيادة الحزب استكمالَ «الحوار» بعد خروجه من الاعتقال، وإنّه الآن يقترح ذلك!.» انتهى
ولمن يرغب في المزيد من المعلومات عن فخري كريم يرجى قراءة مقال السيد باقر إبراهيم، الرابط في هامش هذا المقال(1).
إن تمادي السيد فخري كريم في نشر الأكاذيب واللعب بنار الطائفية والعنصرية، لها أبعاد خطيرة لا يمكن السكوت عنها أو اعتبارها ضمن حرية التعبير. ففي الدول الديمقراطية قوانين وضوابط لحرية التعبير لحماية الرأي العام من التضليل، وسمعة الأفراد والجماعات من التشويه، ولدينا أمثلة كثيرة، وما الضجة المثارة ضد روبرت مردوخ في بريطانيا منذ أكثر من عام، إلا مثال في هذا الخصوص. ولذلك نستغرب سكوت المسؤولين في الحكومة عن هذه الافتراءات، إذ يجب عليهم محاسبة المفترين قضائياً.
ومن كل ما تقدم من عرض سريع لسلوك فخري كريم، نعتقد أنه بدلاً من أن يستخدم إمكانياته الإعلامية الكبيرة لصالح الشعب العراقي ووحدته والعملية السياسية، استثمرها لتمزيق وحدة الصف، والعزف على الوتر الطائفي لخدمة أولياء النعمة الذين يتبدلون حسب المرحلة.
النصيحة التي نسديها للسيد فخري كريم وكوادره الذين جندهم للتضليل هي: صحيح أنه على المدى القصير يكون الكذب والتحايل أكثر ربحاً من الصدق والنزاهة، ولكن على المدى المتوسط والبعيد، فإن الكذب وعدم النزاهة، وخاصة في القضايا الوطنية المصيرية تقود إلى التهلكة والسقوط في مزبلة التاريخ، لأن حبل الكذب قصير.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة