الأخبار العاجلة

أطلال دولة.. رماد مجتمع

الرثاثة في العراق
عماد جاسم:

يعدّ هذا الكتاب مرجعاً مهماً وأساسياً في تحليل بنية الإسلام السياسي الحاكم في العراق منذ سنة 2003م حتى الآن، من مستويات معرفية متنوعة، إذ ينص العنوان الفرعي للكتاب على أنه : «نصوص تشريحية للوظيفة الهدمية للإسلام السياسي في العراق». فالمكتبة العراقية ما برحت تفتقر لهذا النوع من التوثيق التاريخي الشامل، الذي هو نتاج لعمل جماعي منسق نظرياً ومعلوماتياً، اشتركت فيه نخبة لامعة من باحثين عراقيين يندر أن يجتمعوا في نشاط فكري موحد غايته تأصيل مفهوم جديد في العلوم الاجتماعية هو مفهوم «الرثاثة».
يذكر محرر الكتاب (د. فارس كمال نظمي) في مقدمته أن الرثاثة هنا لا يقصد بها عناصر الفقر أو الحرمان الاقتصادي أو التدهور المعيشي، بل هي مصطلح يعبّر عن مناخ لا حضاري، منحط وفاسد، اخترق الكينونة العراقية على المستويين المجتمعي والدولتي، بتأثير منظومات القيم الرثة التي أشاعها «التدين الزائف»، نتيجة الحراك السوسيوسياسي الذي أتاحه الاحتلال الأمريكي ابتداءً من 2003م حتى الآن، حينما أعاد بناء السلطة السياسية على نحو أتاح لأكثر الفئات الاجتماعية تخلفاً ورجعية «الدين السياسي والعشيرة السياسية» أن تمسك بمصير البلاد، طاردةً كل التراث العقلاني والجمالي والتنويري الذي كافح من أجله ملايينُ العراقيين على مدى أكثر من ثمانين عاماً.
وقد اجتهد محرر الكتاب في اشتقاق هذا المفهوم المستحدث (أي الرثاثة) ضمن نص رئيس في الكتاب هو «سيكولوجيا إنتاج الرثاثة في المدينة العراقية»، ليسعى بعده لتأصيل المفهوم ضمن كتاب جماعي يستهدف أرشفة هذه الحقبة الرثة من تاريخ العراق، عبر استكتابه لمجموعة من الباحثين العراقيين المرموقين لتقديم مقاربات علمية من مستويات أكاديمية ومعرفية عدة في السياسة، والاقتصاد، والتاريخ، والسوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والإدارة، والطب، والعمارة، والبيئة، والفن، والأدب، والإعلام، غايتها التوغل تشريحياً في الجسد العراقي المعتل، للخروج باستشرافات ورؤى إصلاحية وإشفائية تستند أولاً وأخيراً إلى التفكير النقدي المتمسك بموضوعية المنهج وحيادية الافتراضات.
ثمة ناقوس هادئ وحاسم يدق في كل صفحات هذا الكتاب، يخبرنا أن الرثاثة في العراق هي نتاج حتمي ل»تغوّل الدين السياسي» على الثقافة المجتمعية بمضمونها القيمي والسلوكي المعتدل. فالسلطة المصطنعة الحالية – بحسب تعبير محرر الكتاب- قامت بأصنمة الدين وفك ارتباطه البنيوي العفوي بالمنظومة النفسية – الأخلاقية للفرد العراقي، وجعلت منه كائناً استعلائياً «خارقاً» يتجاوز وظيفتَه المعاييرية التنظيمية إلى وظيفة تسلطية عقابية، ولا يمكن إرضاءه إلا عبر وساطتها «الروحية» و»المقدسة». وهذا كان يعني بالضرورة تشطيراً للهوية البشرية الموحدة واستبدالها بهويات ميتافيزيقية تلهث خلف مروياتٍ دموية عن مذاهب دينية مُتَخَّيلة تمتلك كلٌّ منها «شرعية» الوجود والبقاء لوحدها.وبحسب رؤية الكتاب، ما كان لهذه الكمية الفائضة من العنف المُنْتَج – مادياً ورمزياً – إلا أن تحقن الوجودَ العراقي برثاثةٍ كاسحة، إذ «تهرأت الصحة النفسية» بأبعادها الفردية والمجتمعية والدولتية في ظل الخوف والبؤس والحرمان والإحباط واليأس والعجز والاكتئاب والاستلاب وفقدان اليقين!
يقع هذا الكتاب الصادر عن دار ميزوبوتاميا في بغداد في (376) صفحة، ومن فصلين: الأول بعنوان (رثاثة الدولة والسلطة)، والثاني بعنوان (رثاثة المجتمع والفرد)، يحتويان على (22) دراسة ومقالة، اشترك في تأليفها (20) كاتباً وأكاديمياً عراقياً هم – بحسب ترتيب نصوصهم في الكتاب-: د. كاظم حبيب/ د. فارس كمال نظمي/ د. مهدي جابر مهدي/ د. صالح ياسر حسن/ د. كاظم المقدادي/ د. شيرزاد أحمد أمين النجار/ د. مظهر محمد صالح/ د. لؤي خزعل جبر/ د. حسين الهنداوي/ د. صادق إطيمش/ د. عبد جاسم الساعدي/ د. سيار الجميل/ د. أسماء جميل رشيد/ سعد محمد رحيم/ د. خالد السلطاني/ د. رشيد الخيون/ د. حميد البصري/ ضياء الشكرجي/ جاسم محمد المطير/ عماد جاسم سلمان. وعلى الرغم من قتامة المناخ الذي تسبح فيه نصوص الكتاب نتيجة حالة التهرؤ والتفتت التي طالت الدولة والمجتمع في العراق، إلا أن ثمة استشراف مضيء يتوصل إليه محرر الكتاب بقوله:
«لكن الشخصية العراقية ما تزال تنطوي في أعماقها الكامنة على بقايا مصلٍ مضاد لوباء الرثاثة، بل أن جزءً أساسياً من تاريخها المعاصر انطوى على نزعة حداثوية في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم حد الابتكار والتحضر والإلهام لمجتمعات أخرى. ولأن للذاكرة التاريخية والهوية الاجتماعية في أي مجتمع دينامياتهما الوقائية والاسترجاعية والتكيفية والترميمية، فإن الرثاثة الحالية لم تتحدد مآلاتها بشكل جازم، وما تزال النزعة العلمانية الاجتماعية مرشحة للبحث عن مديات متحدية وواعدة في العقل الجمعي العراقي!». وهذا ما يبدو أنه بدأ لتوه بالتحقق، إذ أن نشر هذا الكتاب ووصوله إلى يد القراء والمختصين، قد جاء في لحظة عراقية فارقة تزامنت مع انتفاضة مجتمعية لإصلاح السلطة، عبر اندلاع الاحتجاجات الشعبية في تموز 2015، المطالبة بمكافحة الرثاثة الدولتية والمجتمعية الكاسحة، وإعادة الاعتبار للهوية الوطنية المتصدعة. ومن هنا تنبع الأهمية التحليلية والتشخيصية والإصلاحية والاستشرافية لهذا الكتاب، وكأن مشروعه الفكري الرسالي قد وجد له معادلاً تجسيدياً فريداً في الحراك السوسيوسياسي العميق الذي بات يعمّ الكينونة العراقية المتطلعة إلى الخروج من شرنقة الرثاثة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة