سوالف وداد الأورفلي تحكي قصص الأزمنة والأماكن ومحطات الفن

منذ أكثر من عقدين وأنا أفكر بكتابة مذكراتي وسيرتي، فبدأت أسجل ما يجول في خاطري عن طفولتي ودراستي وتنقلاتي مع زوجي حميد العزاوي الملحق المالي في وزارة الخارجية ومعاناتي بتنقلاتنا بين الدول مختلفة اللغات، وكلما أراجع ما سجلته أضيف عليه الكثير وتقفز في ذاكرتي حوادث فأضيفها بلغتي البسيطة، أأمل ان ينال اعجابكم، فهو كتاب يمثل شخصيتي وأفكاري وفنوني وجنوني إذ ان ولادتي تختلف عن المألوف، وخطوبتي وزواجي ايضا يختلفا، فلم البس ثوب عرس مثل بقية النساء، ولا حتى أخذت صورة تذكارية لعرسي الا بعد 7 سنوات، وبعد ان انجبت ولدي عباس، وكما تقول اغنية فاضل عواد (لا خبر لا جفية ولا حامض حلو ولا شربت) سترون أن حياتي وأفكاري تختلف عن الاخرين، سطرتها بأسلوب يمثل وداد التي أعرفها أكثر من غيري.
هكذا اختزلت الفنانة التشكيلية الرائدة وداد الاورفه لي رحلة حياتها الفنية , لتترك لنا الغوص في فصول كتابها الشيق “سوالف” الذي صدرحديثا بطبعة انيقة . الصباح الجديد تقديرا واعتزازا بالاورفه لي تنشر فصول الكتاب كاملا في حلقات متسلسلة .
الحلقة 21
الفصل الخامس
العودة الى بغداد
مصانع الألبان كانت تنتج الحليب المعقم والمطعم بانواع الفواكه مثل الحليب المطعم بالموز والبرتقال والليمون والفراولة والكاكاو. كما ننتج الزبد والقيمر والأجبان بانواعها واللبن. كانت العبوات مفخرة للصناعة العراقية في الجودة والنظافة والشكل وطبع عليها شعار المصلحة ولقد انتجنا افلام دعاية في التلفزيون والراديو للترويج لإنتاجنا.
تصوروا هذا كان في عام 1961 من يصدق !!! أين المعمل الان؟ وأين الانتاج؟… أخذت الحكومة منذ سنين توزع الحليب الباودر ضمن البطاقة التموينية للأطفال.
كانوا في البداية يجمعون الألبان من أصحاب الأبقار او هم يجلبوها في عبوات تعقمها المصلحة وتعطيها لهم ولكن صدر قرار في بناء قرية قريبة من المعمل اسموها قرية الذهب الابيض وبنوا مساكن لمربي الأبقار وكانت المصلحة ترسل سياراتها لجمع الحليب وجلبه للمعمل.
محاكمة د. خالد تحسين علي
مع الأسف لفق احد الموظفين تهمة للدكتور خالد تحسين على منها تبذير أموال المصنع، كاستيراد ماكنة الطبع وغيرها من تهم باطلة. وتمت أحالته الى القضاء العسكري. كان هذا بزمن الزعيم عبد الكريم قاسم، فقد شكلت محكمة عسكرية لمحاكمته في وزارة الدفاع، وطلبوا شهادة بعض الموظفين وانا منهم.
وقفت امام قضاة عساكر كلهم في مجلس الوزراء، فبادرني رئيس المحكمة قائلاً : ست وداد أرجو أن تجلسي ولا تخافي.
أجبته : شكراً، انا لا اخاف لأني أتكلم الحق وأقسمت على القرآن بذلك. ثم لوح بمذكرة بيده وهو يقول: هل هذه المذكرة لك؟
قرأت المذكرة التي تقول: من الدكتور خالد تحسين علي الى الست وداد، يرجى ارسال العامل النجار متي الى أم تحسين وهي (زوجة المدير) لعمل قفص دجاج في البيت. وطلب مني ان أقص حكاية القفص، وعدم الخوف، فرددت عليه وقلت: لماذا اخاف؟ فأردف احدهم قائلاً: ما هذا القفص وما حجمه؟ اجبته بهدوء وجرأة مع إبتسامة: انه قفص دجاج يعني كم يكون حجمه؟ هوليس قفص فيل! انه لم يزد عن متر في مترين أو أقل. عمل من أخشاب تكثر في المصلحة من صناديق تنقل لنا مواد مختلفة ومرمية في الفضاء. وقرر الدكتور تحسين على الأستفادة منها. شرع أولاً بوضع أسيجة لبيوت الموظفين وصبغها باللون الأبيض بشكل أعطى القرية جمالية، على طراز البيوتات الانجليزية.
ثم طلب مني أن يعمل النجار قفصاً لأم تحسين زوجة المدير العام في داره. أذن فالقفص أقيم على أرض حكومية ليست ملكاً للدكتور خالد تحسين. سيترك البيت يوماً ما والقفص الذي بني على ارض حكومية باقي. فأنا نفذت أمراً طبيعيا باستغلال الخشب المهمل، وحركت عاملاً بدلاً من أن يظل خاملاً بدون حركة. وكررت أنه قفص للدجاج وليس قفصا للفيلة.
وأضفت: لو كان هناك في العراق عشرة رجال بمستوى دكتور خالد تحسين علي باخلاصه للعمل وبتعامله مع الموظفين وصدقه لعمل الخير والتقدم في العراق. وقلت: تصوروا يومياً ارى مذكرة جديدة على طاولتي وطاولات الموظفين. يوجهنا ويطلب منا تنفيذ سلسلة من الأعمال ويتابع تنفيذها ليعرف نتيجة ما قمنا به. قولوا لي هل يوجد مثل هذا المدير العام عندنا الآن؟ أنتم تعلمون ان الشجرة المثمرة دائماً ترمى بالحجارة.
فاذا بالجميع واجم وساكت و شعرت بالحرج على وجوههم. ثم بادرني رئيس المحكمة بالسؤال عن قصة ماكنة الطباعة بالقول: كيف استوردت هذه الماكنة؟ ولماذا؟
فرددت بثقة: حسب الأصول المتبعة في الأجراءات الحكومية. قدمت طلبا الى المدير العام، وحصل على موافقة مجلس الأدارة، واستوردنا أجود نوع من المطابع العالمية لتواكب نشاطنا الدعائي الكبير. وطبعاً استوردنا معها كل مستلزمات الطباعة. فكان وجود هذه المطبعة عوناً لنا في الترويج لمنتجاتنا. فوجود الاعلانات المنتشرة في كل مكان تحفز الناس على تذوق الحليب. ونجحنا بالفعل نجاحاً كبيراً.
ثم قلت: كنت اتوقع ان نُشكر على هذا الأنجاز الكبير ومابذلناه من جهد على دعم النشاط الصناعي الوطني. والشكر يوجه بالأساس الى الدكتور خالد تحسين بأعتباره مديراً عاماً للمصلحة.
لاذ الجميع بالصمت، ورأيت احدهم يهز راسه يمينا وشمالا مستغرباً وابتسامة باهتة على ثغره. وكان من نتائج المحكمة أن تم الاستغناء عن خدمات الدكتور خالد. ولكن بعد فترة تم تعيينه وكيل وزارة. ثم تلقفته الامم المتحدة (منظمة الفاو) ليصبح خبيراً عالمياً في الغذاء. وهو اليوم وله طول العمر يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.
وهكذا ودعت صناعة الالبان شخصاً نزيهاً ومخلصاً للصناعة العراقية. لقد جعل من أرض ابو غريب واحة خضراء وعلم الناس ان يشربوا انظف حليب صنعه العراق لحد الآن.
وبعد ذلك بدأ المعمل بالتدهور. وكذلك منطقة ابى غريب بعد ان كان الناس ياتون اليها حيث الهواء النقي والمزارع المنتشرة وصلت الى أدنى مستوى من التدهور. وبألم ما بعده ألم، تحولت اليوم وبفضل المحتل الامريكي الغازي وجماعته من قرية الذهب الأبيض، الى قرية الدم الأحمر وأصبحت حكاية أشهر وأقسى سجن في التاريخ، لا يقل دموية وجوراً عن سجن الباستيل او معتقل غوانتانامو سيئ الصيت.

حفلة وداعية
وإبان عملي في الألبان تقدم لخطبتي حميد العزاوي في عام 1961 وحين قررت مغادرة العراق للألتحاق بزوجي الى المانيا أقام الدكتور حفلاً لنا في فندق بغداد، اذ كان الفندق الأول حينذاك، ودعا كبار الموظفين في الوزارة على العشاء وقدموا لي خاتما من الذهب والياقوت الأحمر الجميل ولن انسى هذه المبادرة الحضارية.
دعنا نقارن هذا التصرف بأي دائرة اخرى في العراق. هل سمعتم عن اي دائرة كرمت موظفاً واحداً بمثل هذا التكريم؟ أو قدمت له شهادة تقديرية الا ما ندر. هذا تصرف حضاري إن دل على شيء فيدل على انه تقدير لجهد الموظف.
ألا يوجد موظفون خدموا عندنا باخلاص واندفاع لعشرات السنين وأفنوا حياتهم في العمل الجاد المخلص للوطن طبعا موجود، ولكن بعد تقاعده ينسى ولا تذكر اعماله الكبيرة لبلده، وبعد تركه للوظيفة التي أفنى شبابه بها يبقى يراجع ويراجع على راتبه التقاعدي الهزيل الذي لا يقيته ويبقى هكذا الى ان يموت.
في الدول المتقدمة يودع الموظف عندما يتقاعد او ينقل الى مكان آخر وتقدم له شهادة تقديرية ونصف راتبه على عدد سنين العمل او يستلم تقاعده بدون أستقطاع فهذا كافي وهو مؤمن على صحته وصحة عائلته كلها من قبل الدولة.
اما انا، فقد كرمتني وزارة الثقافة العراقية بشهادة ودرع في عام 2009 بعد ان تجاوزت الثمانين عاماً من العمر. لا ادري كيف خطرت وداد ببالهم. وكذلك كرمت من قبل الجامعة العربية بدرع، ولم أكن اعرف ما هو الدرع، كنت اتخيل أنه سيف، واذا به علبة خشبية بها شهادة تقديرية ولوح برونز، ولكن بدون اسم المكرم! يعني اي فرد يجدها او ياخذ هذا الدرع ويضعه في بيته يفتخر به. وكرمت في عام 2010 من نقابة الفنانين الاردنيين بدرع ثالث مكتوب اسمي عليه وبشهادة. الحمد لله على ما أعطوني. حسنا إذ لم اكرم بعد وفاتي، وانا ممنونة للجميع لانهم تذكروني مشكورين. كما كرمت من قبل الامير رعد عن مركز الخلد للبحوث والعلوم بشهادة ودرع أيضا بدعوة من الدكتور خالد الشمري. وفي العهد السابق كرمت من وزارة الثقافة والنقابة بشهادات تقديرية فشكرا لهم.
أنا أرى أن مصر هي البلد الوحيد في الأمة العربية التي تقدر موظفيها المتميزين وفنانيها وتقيم الاحتفالات الكبيرة لهم. متى سنرى عراقنا متحضرا ويفهم ما قيمة الانسان المبدع وما ينجزه لبلده العظيم متى؟ متى؟ متى؟؟؟
عسى ولعل بعد عقدين او ثلاثة، وهذا ممكن وليس مستحيل، اذا وظفت مدخولات البلد لأجل البلد ولأجل الشعب سنكون من أحسن الدول العربية.
أدعو من الله ان يعطينا القائد القوي والعادل و الذي يحب شعبه ويحاول جهده أن يعطيه السعادة وراحة البال، ولا يأخذ منه كل شيء كما يحدث الآن، ويترك شعبه ليس عنده سوى الأنين والحسرة والموت. انا متفائلة جداً، و طبعا لن اكون موجودة، لكن احفادنا أو أولاد أحفادنا سيكتبون تاريخهم بحروف من ذهب. اللهم فرج عنا الهموم والكرب وانقذ شعبنا من مآسيه.

معرض الثورة
في عام 1958 وقعت ثورة 14 تموز التي قادها الزعيم عبد الكريم ضد الحكم الملكي وقتل جلالة الملك فيصل الثاني والعائلة الهاشمية. وبعد شهر بالضبط أقيم (معرض الثورة) الذي شارك فيه جميع الفنانين الرواد والشباب، وافتتحه الزعيم الركن عبد الكريم قاسم وأنا شاركت فيه بلوحتين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة