دلالات التجربة الصينية

الفصل الرابع
د. مهدي الحافظ:

10 . اشكال الفساد في الصين :
اولا : اساءة استعمال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية ، مثل ممارسة انشطة تجارية باستعمال المال العام ، والاختلاس والرشوة والتهريب وبناء المنازل الفاخرة .
ثانيا : اساءة استعمال السلطة لتحقيق مكاسب مصلحية ، مثل رفع سعر منتج معين بنحو مبالغ فيه ، وانتاج البضائع المقلدة ، ورشوة للمسؤولين لدخول الاسواق ، وتحصيل رسوم غير مقررة .
ثالثا : اساءة استعمال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية ومصلحية في آن وحد مثل توزيع ارباح على موظفين لا يستحقونها ، والقيام بأعمال تجارية غير مشروعة ، واستخدام الارباح غير الشرعية في تقديم المنح المالية ، وابتزاز الاموال من الفلاحين بدعوى تحصيل ضرائب خاصة مقابل سندات صرف مزورة .
كان القصور في نظام اصلاح السوق سببا في كل هذا الفساد ، اذ ضاعفت من فرص الفساد ودوافعه . ومعروف ان اللامركزية الصينية خولت للحكومات المحلية وادارات المشروعات مزيدا من سلطات صنع القرار ، فاصبح الكثير من المسؤولين والمديرين في وضع يتيح لهم تطويع القواعد والقوانين لصالحهم . بمعنى آخر كانت اللامركزية الادارية مجرد انتقال للسلطة من المستويات العليا للبيروقراطية الى مستوياتها الدنيا . واصبح بمقدور هؤلاء ان يمارسوا المحسوبية ، فيما يتعلق بالعقود والاوامر المالية والضرائب والعائدات والاستثمارات . واتاح تطبيق نظام السعرين لمدة طويلة مزيداً من فرص المضاربة امام المسؤولين ذوي العلاقات .

11 . ازمة القيم
وهنا يشرح المؤلف الصيني هذه المسألة ويقول :
كما ادت اصلاحات السوق الى نشوب ازمة في القيم ، فبعد ان كانت الصين كلها ترتبط بمجموعة متماسكة من القيم – وهذا ما تثبته التقاليد والطقوس – تشيع الان قيمة الجشع في جمع المال ن وحلت محل الاخلاق الماوية ، وحتى اصبح كثير من المثقفين يتحسرون على الانحطاط الكبير الذي شهده مستوى الاخلاق في المجتمع الصيني . وان كان منهم من يرون ان الانحطاط الاخلاقي وتفاقم الجشع المادي اخف وطأة من المثالية الشيوعية ونظرية ” صراع الطبقات ” . لكن مما لاشك فيه ان مبدأ ” المال اولا ” قد تسلل الى كثير من طبقات المجتمع ، واصبح الافراد ذوو النفوذ والمناصب الوظيفية العليا يلجؤون لفرض اتاوة على المواطنين المتعاملين معهم .
وكان من الواضح ان انظمة الرقابة والقوانين لا تستطيع اللحاق بمعدل النمو الاقتصادي والتغيير الاجتماعي . وادى غياب الثقافة القانونية وقصور الاليات الرقابية الى انتشار الفساد في المجتمع الصيني .
وعموما فقد يبدو من الصعب تفادي بعض اللمارسات من نماذج الفساد ، خاصة في فترة تحول الصين الى اقتصاد السوق . دليل ذلك ان المشروعات الجماعية والخاصة – في معظم الاحوال – اعتمدت على الرشوة طوال عقد الثمانينات ، فقد كان القطاع الحكومي يحصل على المواد الخام وغيرها من الموارد عن طريق الوسطاء . وساعدت تلك الممارسات – من ناحية – على تفتيت الاقتصاد الشيوعي الجامد لصالح تطوير اقتصاد السوق ، ولكنها من ناحية اخرى نشرت الفساد واعاقت التطور السليم للسوق .
ومع الانتقال من نظام السعرين الى سعر السوق ، انحسر الفساد الناتج عن المضاربة على فروق الاسعار . ولكن ليس معنى ذلك انه اختفى تماما ، فطالما بقيت الاسباب آنفة الذكر سيظل الفساد موجوداً ردحًا طويلا من الزمان . وفي الوقت الذي تفخر فيه الحكومة برفع مستويات المعيشة ، لايزال الشعب مهموماً باستمرار الفساد وقد يفرز هذا الفساد اثاراً سياسية خطيرة تمزق وحدة الامة في مرحلة ما بعد دنج . ويبدو ان اجراء الاصلاحات المطلوبة وبناء المؤسسات القانونية هو السبيل الوحيد للتخفيف من حدة المشكلة .

12 . الهجرة الداخلية
وحول هذه المسألة يقول المؤلف :
هذه ايضا مشكلة اجتماعية وسياسية . فبعد ان قضى الاصلاح الريفي على نظام ( الكومونات ) افرز فائضاً هائلا من القوى العاملة . وقد استوعبت المشروعات الصغيرة والمتوسطة من هذا الفائض 120 مليوناً . وهو ما يعد انجازًا في حد ذاته . لكن هناك نحو 70 مليونًا اختاروا الهجرة كأيسر طريق الى الثروة . وهؤلاء العمال المهاجرون الذين يطلق عليهم ” جيش دنج ” – تسببوا في تغيير التركيبة السكانية لمعظم المراكز الصناعية والتجارية في الصين .
وقد سبب هذا الامر متاعب كثيرة للحكومة المركزية والحكومات المحلية ، من جراء زيادة الضغط على البنية الاساسية للنقل ، وزيادة معدل الجريمة في المدن ، وارتفاع معدل المواليد ، اضافة الى ما قد يحدث من اضطراب سياسي . وطالبت بعض الوزارات في الحكومة المركزية مثل وزارة الامن العام ولجنة تنظيم الاسرة ، وكذا بعض سلطات المدن بفرض قيود اكثر صرامة على الهجرة الداخلية لكن هذا الامر لم يكن له الا اثر محدود ، لان مفهوم اقتصاد السوق اقوى من سياسات الحكومة .
ومن ثم اصبحوا يحاولون جعل المهاجرين جزءاً من الحل ، بدلا من عدهم مشكلة . واذا كان اتساع الهوة بين الدخول من منطقة لأخرى في الصين قد افرز قدراً كبيراً من الاستياء والغضب فأن الهجرة الداخلية قد تمثل احد الحلول المحتملة بعدها جسرًا بين المدن الساحلية الغنية والمناطق الداخلية الفقيرة .
وللهجرة الداخلية اهميتها السياسية كذلك اذ شكلت الضربة القاضية للسجل المدني الصيني العتيق ، الذي فرض على سكان الصين – لا كثر من ثلاثة عقود – ان يعملوا ويعيشوا في اماكن ميلادهم ، او في منطقة تتم الموافقة عليها بنحو رسمي . وبرغم ان الهجرة الداخلية ما تزال مثار جدل كبير في الصين ، فقد اتخذت معظم المدن بما فيها (شنجهاي وشن زين وجوانج زهاو) موقفًا ايجابياً حيالها . فقد طبقت تلك المدن اجراءات لـ ” تنظيم الهجرة ” وتدريب المهاجرين مهنيا في كثير من الاماكن . واصبح المسؤولون المحليون يسعون لإرضاء هؤلاء المهاجرين . وكان القرار الصائب في هذا المجال هو تطوير المدن الصغيرة والمتوسطة لاستيعاب هؤلاء المهاجرين . لاسيما ان اضفاء الصبغة الحضرية على المناطق الريفية غالباً ما يكون علامة على تحضر الامة . ومن المعلوم ان 70 % من الصينيين يعيشون في المناطق الريفية ، لكن التقديرات الاخيرة ترى ان نسبة سكان الحضر الى سكان الريف اصبحت 40 : 60 ، اذ شملت هذه التقديرات من يعيشون في المدن الصغيرة والمتوسطة . ومما يجدر ذكره ان تلك المدن الصغيرة والمتوسطة لم تعد منعزلة عن بقية الدولة ، اذ تنتشر فيها المشروعات الصغيرة والمتوسطة ، وتتصل بالسوق الدولية .

13 . التوجهات الاقليمية .
وهنا يذكر المؤلف:
وعلى المستوى الرأسي اصبحت العلاقات بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية اكثر تعقيداً . ويرجع انحسار السلطة المركزية الى السياسة اللامركزية التي طبقها ( دنج )، والتي دعمت الاستقلال المالي للحكومات المحلية . والمعروف ايضاً ان كبار المصلحين دعوا الى تطبيق اللامركزية ، حتى يضمنوا دعم الحكومات المحلية لهم في مواجهة الزعماء المحافظين . ولاشك ان هذا النهج كان له اثر كبير في تشجيع الحكومات المحلية على التنمية الاقتصادية ، لكنه خلق ضغوطاً تضخمية وضاعف الاستيراد ، وادى الى انتشار المناطق التنموية وفرض اجراءات حمائية محلية . وكان الهدف الرئيسي للحكومة المركزية هو دعم سلطة (بكين) في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي . لكن الحكومة المركزية والحكومات المحلية ستحتاج الى وقت طويل ، لتتعلم كيف تزيد من حجم الكعكة حتى تكفي الجميع ، بدلا من التقاتل عليها .
كان للإصلاح الاقتصادي – بالتأكيد – دور في زيادة قوى التفكك . اذ اتخذت بعض المقاطعات اجراءات حمائية محلية ، وتصرفت بأساليب التجار ، وفيما يتعلق بالتجارة والتعاون الاقتصادي اصبحت بعض المقاطعات الساحلية تتعامل مع العالم الخارجي اكثر من تعاملها مع المقاطعات الداخلية. وازاء اتساع الهوة بين الاقاليم تنبأ بعض الخبراء الصينيين بأن الصين ربما تشهد تفككا بعد رحيل (دنج) ، مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي .

* فصل من كتاب يصدر قريباً للدكتور مهدي الحافظ

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة