الأخبار العاجلة

أحداث باريس.. «بيرل هاربر» الحرب العالمية الثالثة

لم يكن صعود النازية بعد الحرب العالمية الاولى عفوياً، بل ساعدته وأسهمت به جميع الاطراف المتنفذة.. اولاً بسبب سياسات الانتقام والعقوبات التي فرضتها الدول المنتصرة في حربها الاولى، والتي غذت مشاعر الحقد والتطرف والعنف التي كان يحملها هتلر اصلاً. وثانياً بسبب سياسات التهادن، والاعتقاد انها تستطيع استخدام هتلر ضد اعدائها. فعندما اصبح الاخير مستشاراً (1933)، وبدأ بتصفية خصومه الداخليين وبناء نظرياته العنصرية تعاونت معه معظم الدول، التي حاربته لاحقاً مرحبة علناً وسراً بسياساته المعادية للشيوعية واليهود والمسلمين. وعندما بدأ هتلر باعلان مشاريعه التوسعية على صعيد القارة الاوروبية بضم النمسا (اذار 1938)، هادنه الفرنسيون والانجليز في «معاهدة ميونيخ» التي سمحت له بضم جيكوسلوفاكيا بالتدريج معتقدين انه سيكتفي، في حين هم فتحوا شهيته للمزيد. ولم يفتح الحلفاء اعينهم وبتردد، الا بعد سقوط بولندا واعلان الحرب رسمياً (1939). اما الاتحاد السوفياتي، فرآها فرصة لتصارع قوى «الرأسمالية» بينها، وليتقاسم مع المانيا مناطق النفوذ شرق اوروبا وفي البلطيق.. فوقع مع المانيا اتفاق «مولوتوف-ريبنتروب/آب 1939»، وهو ما امن لهتلر الجبهة الشرقية، وسمح له باحتلال باريس في حزيران 1940، والوصول الى شمال فرنسا، ليستقر في «النورماندي» والساحل الفرنسي تمهيداً لغزو المملكة المتحدة.
تعززت قوة هتلر بتحالفه مع ايطاليا واليابان، وسيطرته على مناطق ودول كثيرة كرومانيا وبلغاريا والمجر، ثم هولندا وبلجيكا واللوكسمبرغ وفرنسا.. فوجد من القوة في نفسه، وضعف الاخرين ورعبهم منه ما سمح له بنقض الاتفاق مع السوفيات.. وبدأ عملية «بارباروسا» (حزيران 1940)، التي حشد لها ملايين المقاتلين من الالمان، ووصل بها الى مشارف موسكو. بقيت الولايات المتحدة خارج المعارك تشعر بالامن والاطمئنان بعيداً عنها متحصنة بقارتها البعيدة، الى ان جاء الهجوم المدمر والواسع للطائرات اليابانية على السفن الحربية الاميركية الراسية في ميناء «بيرل هاربر» (كانون الاول 19401)، والذي جاء كوقع الصاعقة على الرئيس «روزفلت» والشعب الاميركي، وبدخول اميركا المعارك اخذت الحرب العالمية الثانية جميع ابعادها وقواها.
المشهد يتكرر اليوم.. فالانتهازية السياسية على صعد عالمية او محلية تكرر احتضان، او ما تسميه احتواء، قوى الارهاب، بل تناصر خططها معتقدة ان مهادنتها في دار غيرها سيقيها اذاها في عقر دارها.. او ان مساعدتها لمحاربة خصومها سيجعل منها قوى صديقة له. فلم تنفع الولايات المتحدة دروس 11 سبتمبر.. ولم تنفع الاوروبيين دروس الجزائر، ولم تنفع الجميع دروس العراق وسوريا وغيرها. فـ»داعش» والارهاب هو التهديد العالمي الرئيس.. فهو ما زال قوياً في افغانستان والشيشان وباكستان وبلدان اسيوية وافريقية كثيرة.. واسس دولة الخلافة في العراق والشام.. وله خلايا ومراكز دينية كثيرة في الخليج وتركيا ومصر وتونس وغيرها من بلدان افريقية واسيوية.. من دون الكلام عن المؤسسات والمواقع الاعلامية، والتمويل الذي يأتيه من كبار رجال الاعمال والمؤسسات. بل اصبح الارهاب جزءاً من النسيج الاجتماعي لشرائح واسعة في اوروبا وفي قارات العالم الاخرى.
انها حرب عالمية من نوع جديد.. حرب لم تبدأ اليوم.. بل هي بدأت منذ فترة طويلة وابتليت بها شعوب كثيرة واولها الشعب العراقي.. فلقد قدمنا تضحيات غالية وعزيزة.. وصرخنا عالياً، وشرحنا كثيراً.. لكن الانتهازية السياسية ما زالت متحكمة.. فالارهاب ليس قوياً الا عندما يهادنه الاخرون، وينشرون صور رعبه متهيبين منه، معتقدين انهم يستطيعون استثماره ضد خصومهم او لتقوية ادوارهم. فهل ستحرك احداث باريس، كما حرك هجوم «بيرل هاربر»، القوى المعادية للارهاب للاتحاد ضد «داعش»؟
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة