لعبة الكراسي في أعمال الفنانة التشكيلية التونسية.. «نادية الجلاصي»

الباحثةوالتشكيلية التونسية: يامنة الجراي:

بعد التطور التشكيلي وظهور عصر جديد من الممارسة التشكيلية الحديثة أصبح ينظر إلى المدرسة الكلاسيكية وتجاربها كتقليد وجب تجاوزه وشرّع الفنّ الحديث لممارسات فعل التجريب والبحث في الجديد .فكان لابد من البحث عن لغة تشكيلية جديدة تتماشي مع طبيعة هذه التحولات والمتغيرات، الأمر الذي أدى إلى البحث عن لغة جديدة ومفاهيم حديثة تتماشى مع طبيعة هذه التباينات الأمر الذي أدى بدوره إلى ضرورة مراجعة قيم الإنسان الفنّية والفلسفية وهو ما أدى بالضرورة إلى انبثاق اتجاه جديد معاصر يستفيد من الموجودات الماديّة المتحولة والوقائع المختلفة السياسية والاجتماعية ويألف بيّنها في فضاء خاص هو فضاء الفنّان. وهذا ما وجدنا صداه في أعمال الفنّانة التشكيليّة التونسيّة (نادية الجلاصي) التي سأتطرق إلى تجربتها بالدراسة والتحليل. ويعدّ الفنّ التشكيليّ أحد أهم مرتكزات الفنّ بصفة عامة من حيث هو سلوك اجتماعي لا يقل أهمية عن أساليب المقاومة الأخرى في إحداث التوازن النفسي والفكّري والاجتماعي.
من هنا تبرز أهميّة ما أنجزته الفنّانة التشكيليّة التونسيّة (نادية الجلاصي) في سلسلة أعمالها (الكراسي) التي جعلتهم في أشكال مختلفة في ما يشبه اللعبة وهي إذ فعلت ذلك حققت التأثير النفسيّ في المتلقي بوصفه «رسالة يسعى من خلالها الفنّان إلى نقد الواقع بأشكاله المختلفة والتعبير على رغباته الحسيّة وابتكار ما يمكن أن يثير رغباته «.
إنّ متابعة سياق العلاقات الدينامكية بين مختلف علاقات التراكيب التشكيلية لدى الفنّانة في سلسلة أعمالها الكراسي تكشف أبعاد العلاقة بين الفنّ والسياسة «لأنّ الفنّ يعدّ عنصراً أساسياً في معادلة التفاعل الاجتماعي من خلال التأثر والتأثير المتبادلين التي تقوم على عملية الاتصال بعناصرها المختلفة :» المصدر – الرسالة – المستقبل ، أي الفنّان – الوضع المعيشي – المتلقي .»
وهذا المنهج المتبع من طرف الفنّانة يشير إلى إستراتيجية بلاغية قائمة على تبليغ رسالة مفادها زجر من السلطة وأجهزتها النفّاذة في المجتمع أحظرت الفنّانة السلطة بأسلوب رمزي استغلت فيه بعض الدلالات السميائية لبعض الألوان في ارتباطها بأحداث سياسية واقعية . من ذلك جنوح الفنّانة إلى تلوين الكراسي باللون «البنفسجي» والذي جعلت من حضوه رمزيّا في سلسلة أعمالها لتكمّلها بدرجات افتح للون المائل للزهري أي درجات اللون الواحد وبما تقصد من رمزيّة الاشتقاقات الأساسية للون وفروعه وربّما دلت به على للعائلة الحاكمة وأتباعها والمقربين منهم وتستعمل لذلك كلّ وسائل الاتصال من كلمة وصورة ورمز في تبليغ الرسالة للمتلقي.
إنّ الفنّ بوصفه إيصالاً والعمل الفنّي بوصفه جزءاً من الفنّ يملك الكثير ممّا يسري على أنظمة الإيصال الأخرى لكوّنه صوراً حيّة، واقعية، ورموز تخرج في علاقات تركيبيّة لإنتاج نظائر للتجربة الإنسانيّة، فهناك أشياء تفرضها الاستجابات الذاتيّة لفنّان ما في سياق انتمائه واغترابه عن واقع الأحداث.
أمّا الفنّانة نادية الجلاصي و من خلال أعمالها رسمت لنفسها خطة حملت بها خطاباً سياسياً و ايدولوجيا و وجعلت من أعمالها وسيلة توصل أفكار الفنّان القسّرية أحياناً مع إعطاء فرصة للتأويل العقلي أو الحسّي للمتلقي ضمن قراءته وفهمه للعمل الفنّي واعتمدت الفنّانة العديد من الوسائط لتبليغ سائلها وأهدافها التشكيليّة من ذلك:
1- الخط : يعتبر «الخط من العناصر الأساسية التي يلجأ إليها في عملية التنظيم والتركيب الشكلي لما له من أهمية كبيرة وفاعلة لترابطه وتشعبه مع بقية العناصر الأخرى، لكوّنه أساس تحديد الهيكل البنائي في المتكون التصميمي . إضافة لما يضفيه من دلالات وأبعاد تعبيريّة وجماليّة وشكلية لتنوع شكله وسمكه ولونه في تحديد الهياكل الخارجية للأشكال. كما يساهم الخط في الإحساس بالعمق لما يتصف به من مرونة وتأثير وأحضرت الفنّانة الخط في أعمالها من خلال استعمالها للخيوط المتنوعة في الحجم واللون .
2- اللون : يعتبر «اللون عنصر من العناصر أو الصفات الإدراكية المختلفة المرتبطة بتلازم فاعل مع بقية العناصر الأخرى في تركيب الهيئة المرئية في عملية التشّكيل إذ لا يمكننا إدراك الشكل إلا على صورة لون، فهو صفة ظاهرية للشكل الذي يثيرنا بالإحساس و من استخدامات :الغرض الرمزي والغرض الانفعالي أو العاطفي. ولعل الفنّانة استغلت دلالة الألوان الرمزيّة في تمرير رسالتها التشكيليّة للمتلقي لتجعلنا أمام جدل الألوان وما ترتبط به من أبعاد ودلالات سميائية.
3-الفضاء : يعتبر الفضاء الشكل الحاوي للأشكال المرئية وميدانا حركيا لها، إذ يساهم في احدث طاقة مؤثرة من خلال بساطته أو تعقيده «يحمل ذات التأثير للأشكال في تمازجها حينها نفهم أنّ الفضاء الذي يقع خلف الأشكال أو بينها هو الذي يحدد الشكل عن طريق التباين و التشاف معه «. حاولت الفنّانة من خلال سلسلة أعمالها الكراسي و بأسلوب فنّي معاصر التطرّق إلى موضوع صعب الولوج إليه خاصة في تلك الفترة لضغوطات السياسية ولكنّها تبنت أسلوبا مميزا وحاولت به التعبير عن الواقع متحررة من كلّ قيد خارجي مستعينة في ذلك بخطابها الرمزي (رمزية الألوان ورمزية فعل التجميع) .
استعملت الخيط وقامت بتشبيكه وتقيد الكراسي كتعبيره مخصوصة حاولت في ارتباطه باللون الأزرق أن ترمز إلى تقيد المجتمع ووضعت هذه الكراسي المقيّدة إلى حد العجز على رقعة شطرنج ليتحوّل الكرسي من وضعيته العادية إلى «دمى للعب» ولعّل الخيط المصاحب يرمز إلى العين التي تراقب وحاولت الفنّانة من خلال أعمالها الفنّية الكشف عن حقيقة السلطة عن طريق تغير العلاقات ما بين الأشكال والألوان والفضاء.
وما يميّز أسلوب الفنّانة عن غيرها في التعامل مع هذا الموضوع هي تلك التحريفات في بنّية أشكالها وفي بنّية عملها الفنّي ككّل، إذ تلاعبت بالكراسي وجعلتهم في علاقة بدراجات اللون البنفسجي وصحب هذا التحريف تحريف بمكونات العمل الفنّي: تحريف للون وللزمان وللمكان ومن ذلك التكرار المستقيم للخطوط ووزعّت مكونات العمل الفنّي توزيعا تناثر يّا للتعبير عن الوضع المرتبك الغير مقيد بسياسة محدّدة .
فالفنّانة تستمد مواضيعها من المحيط السياسي التونسي وتستلهم إحساسها الفنّي الخاص من الصور الاسترجاعيّة لأهم المحطات التي عاشتها وقد تبلورت لديّها خلاصه شاملة من متابعة الأساليب والاتجاهات الفنّية التقليدية والحديثة السائدة والمعاصرة المتمرّدة الغير متقيدة بمرجع. حيث نرى أنّ الفنّانة قسمت العمل إلى جزأين: الجزء الأوّل خطوط أفقية (المسامير في الوضعية الأفقية) والجزء الثاني الفضاء ومسرح الحدث في العمل(الأرض) والذي تسبح فيه وحدات العمل الفّني من تفصيلات وأجزاء.
وكما هو معروف كّل احتدام يخلّف ورائه ركاماً، فلقد جاءت الأعمال نتيجة تسلط السلطة الحاكمة وتعنتها تجاه الفرد والفنّان فنشاهد الهياكل العظمية وبقايا من ركام وحطام الأفراد مختزلة في قبضة مسامير منتشرة في اتجاهات عدّة، ويحتوي هذا العمل على مزج من الإنشاء الأفقي والعمودي حيث يظهر في أسفل اليسار بكرة خيط باللون الزهري. فيخرج العمل النهائي في شكل مجموعة من المسامير قد افترشت الأرض .. وأحضرت السلطة من خلال الكرسي الملوّن باللون البنفسجي .
وكأنّ الفّنانة أرادت أن تصوّر في هذا العمل الجانب الرمّزي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بين الحرب والسلام كما عبّرت عن الجانب التعيس في الحياة من خلال إحضار الكرسي الذي يرمز به للحاكم وفي مثل هذه الأعمال هناك تأويلات لا تنتهي ورموز مفتوحة متنوعة ونفذت الفنّانة عملها بتقنيه عاليه من خلال إحضارها لمواد متعددة والتأليف بينهم في فضاء يؤلف بين الثنائي والثلاثي الأبعاد و التي أخذت دوراً مهماً في إبراز الانفعالات على وحدات السطح التصويري للوحه فظهرت معبّرة عن الحدث عن الواقع المرير الممزوج بلعنة الكرسي .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة