مهندس سقوط البعث

لم التق الراحل الدكتور احمد الجلبي الا مرة واحدة ، كانت قبل رحيله بشهرين فوجدته رجلا يملأ المكان بقوة وتأثير لما يمتلكه من فيض المعلومات وتفاصيل الكثير من الملفات .. لم اشأ ان اقاطعه فقد كنت مصغيا بدرجة كبيرة وهو يدل بتلك الارقام الفلكية المذهلة عن حجم الفساد وما كان بالامكان ان يكون من تطور في العراق لو استثمرت تلك الاموال الطائلة بنحو صحيح بعيدا عن دروب الفساد ..
وحين تصغي للرجل من قرب وتتلمس ذلك الوجع العراقي الكبير الذي يكتنفه لاشك تنابك حالة شديدة من الاستغراب وانت تتابع تلك الحملات المنظمة التي استهدفت الجلبي وسعى الواقفون ورائها لتسقطيه وتشويه صورته في اذهان الناس .. وقد نجحت تلك الحملات الى حد ما من تحقيق هدفها .. فقد شعرت بالانزعاج وانا اتابع عبر صفحات التواصل الاجتماعي ماكتب عن الجلبي من شتائم واتهامات بعيدة عن الذوق والمنطق وحتى الدين ان كان البعض يدعي التدين ..
وكما قلت انا لا اعرف الرجل شخصيا ولم اعمل معه ولا تربطني به اية صلة.. ولكن اعتقد ان استهداف الجلبي لم يبدأ لحظة اعلان نبأ وفاته الاسبوع الماضي او قبل سنتين او ثلاث من الان .. انما الحملة بدأت قبل سقوط النظام السابق يوم سطع نجم الرجل وهو يقارع ذلك الجبروت بيده ولسانه وماله واسهامه في بلورة رؤى المعارضة العراقية في الخارج بنحو مكنها من ارعاب النظام ، فكان لابد من تسقيط الجلبي بأي صورة كانت ، فحاكوا له فضيحة مصرف البتراء الاردني وما تبعها من تداعيات وغيرها من الاساليب المعروفة انذاك ..
ثم اشتد سعار الحملات التي تستدهفه بعد سقوط الصنم في قلب بغداد واعلان التحرر من اعتى دكتاتورية ، فكانت السهام والسياط القاسية تتجه مباشرة الى الدكتور احمد الجلبي لاسيما بعد توليه ملف اجتثاث البعث وملفات اخرى مهمة ومؤثرة وحساسة ..
وما يثير الاستغراب ان بعض مستهدفيه هم من اولئك الذين ماكان لهم ان يحضوا بما حضوا به من جاه ومال وسلطان لو لا جهود الجلبي وتأثيره الفاعل في اسقاط النظام ، وغالبا مانجد التهمة الجاهزة التي توجه له هي انه (مهندس احتلال العراق) ..
في وقت يعرف هؤلاء ان النظام السابق كان اعد العدة للبقاء في العراق لثلاث قرون مقبلة ولن تستطيع اية قوة وطنية من اسقاطه لاسيما بعد قمعه انتفاضة 1991المجيدة ، فكان لابد من الاستعانة بقوة دولية لانقاذ العراق من الدمار الذي يعانيه ، والاستعانة هنا لاتعني الاستقواء بالاجنبي او الرغبة في الاحتلال ، فلو كان الامر كذلك لما تخلت الادارة الاميركية عن الجلبي فهي لا تتخلى عن اصدقائها الا اذا اكتشفت انهم يجدفون عكس تيار مصالحها ..وهنا يمكننا ان نطلق على الجلبي انه مهندس سقوط البعث وخلاص الشعب من براثنه .
عبدالزهرة محمد الهنداوي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة