الأخبار العاجلة

لم نعد نُغمض الجفن، ايضاً

معتز رشدي:
(1)
(لم أعد اغمض ُ الجفن) هذا عنوان قصيدة لفوزي كريم، من ديوانه ( ليل ابي العلاء) الصادرعن دار المدى 2007، وهو مجرد انموذج مستل، لا على التعيين، من جملة عنوانات، كلها على هذه الشاكلة الآسرة، فهو مصر، حتى في عنوانات قصائده، على مد شجرة نصه الحديث بنسغ من روح الجملة العربية الكلاسيكية، في بهائها الطالع … ثمرا يانعا ، امتلأت به سلال كلُّ من قرأه .
كل عنوان، في قصائد المجموعة، هو تمهيد لمطلع شعري يفضي بذاكرة القاريء الى مطالع شعرناالعربي الكلاسيكي، ففي قصيدة (قلعة النسيان) نقرأ هذا المطلع، الموحي بخيبة الشاعر، العائد، من بلاد زارها بعد طول اغتراب وحنين، الى قلعة نسيانه في لندن:
العائدون رأوا مرابعهم مراقد.
كنت بينهم اسيرَ الشوقِ ثم عدَلتُ،
عدت لقلعة النسيانْ
لكأن المطالع في (ليل ابي العلاء) قناديل ساهرة على متعة القارىء الجاد في رحاب القصائد! مطلع يوهمك ان شاعره سيمد به، على هذه الشاكلة الغنائية، الى آخره، ولكن، فجأة، يصير الغناءُ، كما في بعض النصوص، الى حكاية شعرية مليئة بتفاصيل الشاعر اليومية؛ ولكنه – فوزي- شديد الحرص، حتى في سرده الشعري، على الموسيقا، مما يوفر للقصيدة، ككلٍّ عضوي، بنية ايقاعية لا اختلال فيها بين مطالع بعضها، شديدة الغنائية، وبين بقية المقاطع … كم من نصوص لشعراء آخرين أفسدها السرد المغرق بالتفاصيل؟
في قصيدة (الآم) نقرأ:
لأن لسان المرء عييٌّ،
يعجز شعري عن رصد أساها، في الوجه النائم:
أتُراهُ مشارف حلمٍ مُرتابٍ،
لتضرع أمٍ تجهلُ ما يُخفي الأفقُ الغائم ؟
ولدانِ، أُحسُّ وجودي محضَ ذريعة
لوجودهما
هاهنا شاعر يراقب زوجه النائمة قربه، فيرى (ما يتفطر له فؤاد المرء) وجه أم ضارع غارق في أساه على مشارف حلم يكشف مخاوفها من زمن غائم، قادم . من منا، نحن القراء، لم ير في وجه أمه تعابير كهذه! من منا لم يُشفق عليها من مخاوفها؟
في المقطع الثاني، والمقاطع التاليه، في القصيدة نفسها، يتحول الشاعر نفسه ، بفعل انتقال مخاوف الوجه اليه، الى أم ثانية! ام تراه يعتذر إلى رفيقة عمره، إشفاقا عليها من عند نفسه، عبرهذا السطر، مؤكدا فيه – لها طبعا– حبه لولديه، ثمرة حبهما المشترك :
ولدان، أحس وجودي محض ذريعة
لوجودهما
كم أحصي العثرة تلو العثرة في خطوهما!
كم أكبو مثلهما!
وأكاد أصير صدى لهما

لكم يبكيني شعرإنساني رقيق كهذا! هل من شاعر خاطب فلذة كبده، بمثل هذه الرقة الأمومية الأسيانة كشاعرينا … السياب وفوزي كريم ؟ فالرقة في نثر فوزي وشعره، شيء لافت للنظر، بل انه حتى في كتبه السجالية النثرية، شديدالخوف على الانساني فينا. انستغرب، والحالة هذه، رفضه لكل شعر متنفج، متعالي «الأنا»، ونبوي .
بيد ان هذه الرقة، تُخفي شجاعة العاطفة، في ضعفها وجمالها الانسانيين! في قصيدة (الأنصار) يختفي، هنا، غناءالمطالع. فنحن أمام مطلع بلغ الغاية في حكائيته، ولكن لفوزي، في فنه، ما لعصا الساحر:
في السويد
أخذتُ مع ابني قطارً من استوكهولم،
لمنتجعٍ، شاء أن تحتفي فيه جمهرةٌ من رفاق
سعوا بأسمهم وحدهم للقاء، ومن كل صوب
هكذا تستمر التفاصيل في عاديتها؛ رفاق يستذكرن من مات منهم في جبال كردستان، إلى أن نصل الى هذا المقطع الدامي :
«كأسك ؟»
لم يستجبْ. كان يبتلع الكأسَ، لا يحتسي الكأس.
في آخر الليل صار الغناء نشيجا،
ومن كل حشرجة تتهاوى الهراوةُ،
حتى لتُدمى الجباهُ . فما من فم يتجرعُ كأس العرق
وهو يلتاث بالدم، مثل ضماد من القطن في الكف.
كان هذا النص، أشدَّ النصوص انغمارا في أجواء الحكاية، وهو، لطوله النسبي، شكّل مغامرة غير مأمونة العواقب، ولكن، لاحظوا معي، كيفية استثمار فوزي لملاحظاته البصرية، والارتفاع بها الى مستوى الرمزالشعري، بل، ان شئت، الباذخ في شعريته. جلسة رفاق تحولت في آخر الليل الى ما يشبه أشد الكوابيس إرعابا. ان فوزي يعطينا شهادة جمالية خارقة التأثير عن واقعه، وواقعنا نحن، عبر أشدالتفاصيل عادية، أحيانا ، اذ ليس يحتاج، فنان، مثله، الى قصف مدفعي حداثوي، يمهد لقصائده الطريقَ الى قلوب قرائه:
كنت كمن شاء ان يتمثل دور رقيب الفضول .
وما شاء ابني ذلك،
ففضل ان يتمثل دور الرقيب الملول.
تفاصيل شديدة الواقعية، اليست كذلك؟ لوحة مرسومة بتفاصيلها، قد تكون انطباعية، عن جلسة
لشاربي خمر عراقيين، هم ثلاثة مثقفين، رابعهم صبي برفقة ابيه، وخامسهم كابوس هارب من
لوحة لفوزي كريم نفسه، اوللاسباني غويا، اذ لا تحضر الخمرة على مائدة شاعرنا، برفقة
صحب له، الا ويرافقها ظل يشد ملامح وجوه الشَرَب الى افق معتم بنُذُر كارثة قادمة، لا ريب فيها !:
ما اوجز الكلمات، ومقدار ما تحتوي من غموض المقاصد؟
حتى لتبدو لعيني سحنة وجهيهما ما ارى الآن في كلمات
القصيدة
وهي توجز بين السطور، وتغمض!
في هذا النص، كما في نصه الكبير (عازفُ قيثارة الحي)، تحضر، بالحاح له ما يبرره
فنيا، وبين قويسات طبعا، الجملُ الحوارية بين متحدثين، او تلك التي تدور في دخيلة الشاعر،
وكلها تعمل على اغناء سياق القصيدة ببعد نفسي متوتر، يقطع على قارئها اطمئنانه لايقاعها، قاذفا به في دوامة طبقاتها المتراكمة بعضها فوق بعض .
اننا امام شاعر لا يطمئن الى ما يراه، مسكونٍ بالحيرات، فضولي، لا يكاد يغادره وسواسه؛
حتى ايدلوجياتنا، في عز ازدهارها النبوي والدموي، لم تشكل عنصر جذب له، بل انه وقف منها موقفا نقدياً، جر عليه سوء فهم كبيرا. وما موقفه هذا الا لأن قلبه أنبأه، منذ باكورة شبابه، بما مؤداه: أن شياطين دستويفسكي سيجرون البلاد معهم الى الهاوية! وهذا ما حصل، حقاً، وبطريقة فاقت أشد كوابيس شياطين آلهة السماء والارض دموية ووحشية.
أتراه كان يقصد نفسه، مستذكرا باكورة شبابه البغدادية، في المقطع أدناه من قصيدة (محارة الشاعر):
يركض عازفُ الكمان، والكمانُ في يديه، تحت وابل الرصاص، في مشهد الحصار بالاسود والابيض !
قال عبد الكريم كاصد، من اثناء لقاء معه، ما مؤداه: ان التفاصيل ضرورية للشاعر، فهي تعمل على شد نصه الى جذور الارض. هذه العبارة الدقيقة، حقا، تجد خير مصداق لها في نصوص فوزي كريم.
(2)
لا نكاد نغادر قصيدة من قصائد فوزي الا وعلى أرواحنا منها بقع من قريحته اللونية كرسام محترف. اللون في نصه جزء لا يتجزأ من عمله كشاعر، فاذا كانت بعض قصائد المجموعة لا يكتبها الا شاعر، فإن بعضها الآخر لا يكتبها الا شاعر رسام. هل نحن، في نصه المعنون (الصرخة)، أمام قصيدة ام لوحة؟ أم نحن أمام معزوفة موسيقية مكتوبة شعرا! الذي ينتبه الى اهتمامات فوزي الاخرى، لا بد أن ينتبه الى حقيقة بعينها، و هي، إن ذائقة هذا الرجل متطلبة، بل وشديدة التطلب، وصعبة الإرضاء، ليس في علاقته بما يكتبه الاخرون حسب، بل وفي علاقته بنصه هو نفسه، شاعرا ورساما وناقدا ومتذوقا، صعب المراس، للموسيقا الجادة. لنقرأ مقطعين كبيرين من نصه، أو صرخته المفزعة (الصرخة)، ولنلاحظ تواشج عمله الشعري بأعماله، أو اهتماماته الأخرى :
بنحدر الجسر (لبغداد جسورٌ لا يُحصيها العد)
ينحدر الضوء من المصباح الى الماء،
ينحدر الماء،
أنحدرُ أنا،
وجهي دائرةٌ فوقَ الجسرِ،
دُوارٌ أحمر،
يأخذ شكل الأفق الدائر.
ثم تلوح الصرخة
حمراءْ !
هذان مقطعان لا يفسران الا بمفرداتهما، ولكن، الا يذكرنا النص، أعلاه، بصرخة مونك الشهيرة؟ كوابيس الشاعر العراقي، ليست تحتاج، طبعا، الى الاتكاء على كوابيس من بلاد أخرى، فصاحب (العودة الى كاردينيا) و (مدينة النحاس)، في حل من ذلك؛ تكفيه جسوره، وكوابيسها، وهو البغدادي العريق، الراكض بكمانه الستيني تحت الرصاص، في لوحة بالابيض والاسود!هو القادم من، والراكض الى، أفق كالأنشوطة! (لي أن استعيد صورة مقاربة من قصيدة «حسين مردان» (ديوان «جنون من حجر»» التي تعود إلى مطلع السبعينيات: «…وخطوك ما حلّ في الجسر/ما جاوز الجسرَ /كنتَ وحيداً /وكنتَ على الجسر واقف. وحّدقتَ في الماء/ ظلُّك نرجسةٌ من رماد/ يلاشيه وجهٌ غريبٌ،/ ووجهٌ يوزَّع دائرةً…دائرة).
اذا كنا أبعدنا عن الشاعر شبهةَ التأثر في قصيدة (الصرخة)، فإن ظل البريكان (المقتول طعنا بسكين لص حقير في ليل العراق الطويل)، سيبدوا نافرأ (وكأنه محفور بسكين رسام) في نص فوزي، المعنون ب (البئر):
قلعةٌ عافها الغزاةُ. صحارى
تترامى من حولها. عظامٌ
لخيول قضت، تولول في جوفها الرياح. ربيعٌ …
الا يذكرنا هذا المطلع الفاتن بمطلع شهير آخر، للشاعر القتيل
على حافة العالم المتجمد تأبى الخيولُ
ذهابا، وتنكفيء الاشرعة
ويخطو المسافر ظلا وحيداً، وتخطو معه
على الثلج ريحٌ قديمة .
بيد أن عصا الساحر، هنا، ومرة اخرى، تفتح في مجرى القصيدة دربا لخطاه الواثقة :
….ربيع
يتحاشى اقترابه من بعيد،
وكأن التماس بينهما يربك طاحونةَ الزمان .
حيث مامن لربيع أمان .
وحدها البئر رائقةَ (اللون) في القلعة عند النهار،
وفي الليل رائقةَ النجم .
ها هو ذا فوزي، مجليا وجه لمساته في رحاب نصه الجميل. مخلصا آثاره من ظل الشاعر الكبير، القتيل!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة