الأخبار العاجلة

)أرض الغريب( .. إخفاق حكاية أم أسلوب مجازي؟

أحمد ثامر جهاد:

اختير فيلم(STRANGERLAND) ، (أرض الغريب) للمخرجة الأسترالية (كيم فارانت)، وهو أوّل أفلامها الروائية بعد مجموعة أعمال وثائقية وأخرى قصيرة، للعرض في مهرجان ساندانس للسينما المستقلّة خلال العام الحالي، كما رُشِّحَ لجائزة أفضل فيلم في مهرجان سيدني الأخير. وعبّرت الممثلة الحسناء (نيكول كيدمان)، التي أدَّت- بتمكُّن- دور البطولة فيه، عن سعادتها بالعودة مَرّة أخرى للعمل في فيلم أسترالي يلبّي طموحها، وتتحدث فيه، بلكنة موطنها، منذ مشاركتها الممثل (سام نيل) بطولة فيلم DEAD CALM للمخرج فيليب نويس عام 1989. ربّما شعرت كيدمان بالحماس عند الإطّلاع على دورها في السيناريو المتناغم- إلى حَدّ ما- مع ميولها لأداء شخصيات مركَّبة وغير منبسطة عاطفياً، فضلاً عن وجود نجوم معروفين في الفيلم، بينهم البريطاني جوزيف فينس، والأسترالي هيوغو ويفينغ. إلا أن ذلك كله قد لا يجعلنا نُكيل المديح للفيلم، مثلما لن يمنعنا من الاعتراف بالمتعة التي منحتنا إيّاها بعض مشاهده المؤثِّرة، بجمال موسيقاها وتصويرها، لاسيما التي توافرت على قدر من التشويق والإتقان، قبل أن تضيع حكايته في متاهات غير مأمونة، أسوةً بضياع شخصياته في غياهب الصحراء.

للبراري أسرارها

فيما توشك علاقتهما المتأزِّمة على الانفصال، يكافح الزوجان (كاثرين، وماثيو باركر) في ظلّ ظروف اجتماعية وبيئية قاسية للحفاظ على تماسكهما بعد أن صُدِما باختفاء طفليهما (تومي، وليلي) في حادث يتَّسم بالغموض، وذلك قبيل تعرُّض بلدة (ناثجاري) الصحراوية التي يقطنونها، إلى عاصفة ترابية. وبقدر ما كانت العائلة تراقب، بتفَهُّم، وضع الابن الصغير (تومي) الذي يجوب شوارع المدينة ليلاً، درءاً للملل والتوحُّد، يختلف الزوجان- بشكل ظاهر- بشأن التعامل مع سلوك (ليلي) الفتاة المراهقة، غريبة الأطوار.
بعد اختفاء (تومي، وليلي) تبدأ بعض التفاصيل الخفية في الظهور تدريجياً، وجلّها يتعلّق بماضي العائلة. ربما أهمّها أن (ليلي) تثير الشبهات حولها، خاصّة، لدى الأب (ماثيو)، ليس، فقط، بسبب سلوكها غير المنضبط، وإنما لتورُّطها، في وقت سابق، بعلاقة مشبوهة مع أستاذها. اعتادت ليلي، التي بقي تأثيرها حاضراً في مجمل أحداث الفيلم، رغم غيابها في الدقائق الأولى منه، أن تغوي الآخرين، غير عابئة بأيّة أخلاقيات أو عواقب.
حادثة خروج (تومي، وليلي) من المنزل، بإرادتهما، صوب مكان غير معلوم، التي تُعَدّ مرتكز أحداث الفيلم، ستثير فضول مأمور الشرطة ديفيد للتفتيش فيما خَفِي من ماضي العائلة، والأخيرة تبدو غير متفاعلة مع نمط الحياة في بلدة نائية تقع على أطراف الصحراء، ينظر سكانها، بعدم ارتياح، إلى الغرباء والوافدين الجدد. تدريجياً، يحاول الفيلم الذي كتبه (مايكل كينيرونز وفيونا سيرس) كشف بعض الأسرار التي تحيط بواقعة الاختفاء، مع أنه يَغفَل، في الوقت ذاته، عن فرضية تبدو أكثر ترجيحاً، هي أن (ليلي)، بعيداً عن تأثيرات الآخرين، اختارت مصيرها بعدم اكتراث، لكن، بشجاعة من أدرك أنه يقف على حافّة الهاوية، في حياة فقدت معناها.
عقب خروج ليلي (15 سنة) مع أخيها تحت جنح الليل، إلى مكان لا نعلمه، وبدوافع نجهلها إلى حين، وعلى مرأى من الأب الذي لم يفعل شيئاً حينها، رغبةً منه بمعاقبتهما، يطالعنا مشهد لاحق محيِّر، تظهر فيه (ليلي) وهي تسير، وحدها، في عمق الصحراء، منقادةً، بخطوات وئيدة، إلى وهج السراب الخادع.
جمال التكوينات البصرية التي قَدَّمها الفيلم للأمكنة الموحشة، بصفرة شمسها الحارقة، لن تلهينا عن السؤال الأهم: لماذا تبدو (ليلي) مستسلمة لنوازعها العدمية؟ هذه اللقطة التي غابت فيها (ليلي) في عمق الكادر، وأدارت ظهرها للكاميرا، ستعاد لاحقاً بمنظار آخر معاكس، حيث تهيم كاثرين في البرّيّة عينها، وهي منهارةً، تبحث، بيأس شديد، عن ابنتها المفقودة، ربما عن ذاتها الضائعة بين نوازع الخضوع القسري لفروض العائلة والمجتمع، أو الانعتاق منهما نهائياً. ثمّة شيء ما ينتظر تفسيراً أشدّ إقناعاً من مُجَرَّد التوقُّف عند إثارة فضول المتلقّي.
رغم أن هذه النوعية من الأفلام التي رسَّخت تقاليدها الفنية عبر عقود، تلتقي، في جوانب عدّة، يقف إلهاء المشاهد والانحياز إلى إثارته في مقدِّمتها، إلا أن هناك محاولات ناجحة تمكَّنت من إعادة صياغة موضوعٍ مستهلك، بشكل مُتْقَن، بهدف استكشاف أبعاد مغيَّبة أو جديدة فيه، مثل الفيـلم الإسبــاني المميَّـز «MARSHLAND»- عام 2014 للمخرج ألبرتو رودريغرز.
في المحصلة، تلك مسالة خيار إخراجي: بناء سينمائي محكم، وأسلوب معالجة مقنع، لا يتوقّف عند قواعد النوع السينمائي، بل بوسعه الذهاب أبعد من ذلك، لاسيّما إذا ما توفَّرَ على سيناريو جيد، حينها، ليس ثمّة عواقب نخشاها في كسر تلك القواعد، والذهاب إلى وجدان المشاهد مباشرةً.
سيترك الفيلم الذي صُوِّرت بعض مَشاهده في أيرلندا، متلازمة التفسيرات النهائية لعقل المشاهد، وتصبح الإجابات الدرامية خيار المتفرِّجين في فهم الشخصيات والحكم عليها.

ثغرات

يوماً ما، قال المخرج الشهير مارتن سكورسيزي: «إن المعضلة الأكبر لصانعي الأفلام هي أن لا يكون لديهم شيء ما يقولونه للمشاهد، حينها تبدو أفلامهم، وبطريقة متنوِّعة: إما غير واضحة، أو تقليدية للغاية، أو تلبي متطلبات السوق التجاري». وفقاً لذلك فإن الفيلم هو، في جوهره، سرد لقصة ما بالصور، يجب على صانعه أن يعرف- بالضبط- ما يتحدّث عنه، أن يقدِّم التأويل البصري لما هو مكتوب على الورق. لكن، أن يكون السيناريو ذاته يعاني من مشكلة ما في حكايته أو بنائه، فلن يستطيع أي مخرج، حينذاك، إنقاذه من الفشل.
معضلة فيلم (أرض الغريب) الذي اعتمد كثيراً على اللقطات البعيدة والمتوسِّطة هي في المبالغة في إقحام مسارات مختلفة على سياق الأحداث في وقت واحد، بشكل أَفْقَدَ الحكاية خيط تناغمها، وإقناعها المطلوب.
لِنُعِد النظر في الآتي: بعد عثور(ماثيو) على ابنه (تومي) في تيه الصحراء يشير الأخير إلى أخته، ولم يتخطَّ هول صدمته: إنها ركبت السيارة مع أشخاص غرباء. فيما تشير امرأة عجوز من سكّان البلدة الأصليين، بعد توسُّلات (كاثرين) للتوصل إلى حقيقة ما جرى لابنتها: لقد تعاقب عليها رجال بيض وآخرون سود، إنه حال البلدة. إذا حاولنا تتبُّع هذا المسار عبر التمعِّن بمغزى اللقطات التي تظهر البلدة الصحراوية من علوٍّ شاهق (عين الصقر)، من حين إلى آخر، خالية من البشر، بطبيعتها الصامتة، موسيقاها الدالة وقيظها الشديد، سنشعر أن ثمة تلميحاً مضمراً إلى أرض بكر انتُهِكت حرمتها وتلبَّستها اللعنة، وقد بات التوحُّد معها يمثِّل نوعاً من الخلاص الفردي لذوات يائسة. بكل الأحوال تفسير كهذا قد لا يجد ما يدعمه، فهو محاولة لتخفيف نغمة الهلوسات النمطية التي حَفل بها الفيلم، لإبقائنا مسحورين بغموض ما يحصل، وإن انحرف المسار الدرامي قليلاً عن تقصّي أسباب الاختفاء.
لم تفلح جهود الشرطة وأهالي البلدة في العثور على المختفين، ولا يتوقَّع أحد أن يكون الأمر برمَّته هروباً قصدياً من طوق حياة كئيبة. قد يبدو ذلك خياراً معقولاً حينما نمعن النظر في علاقة كاثرين (نيكول كيدمان)، وماثيو (جوزيف فينس) غير المتصالحة، والتي وفَّرت مناخاً ملائماً وممهِّداً لهروب ابنيهما. تالياً ستصل حياة الزوجين إلى حافّة الهاوية، بفعل الشائعات والأقاويل التي يتناقلها الأهالي. ماثيو المنشغل بعمله يهمل زوجته، ولا يبادلها العواطف ذاتها، فيما تتَّهمه هي بأنه اعتدى يوماً ما على ابنته. لكنه، في المقابل، يحمِّل زوجته المسؤولية، لأن (ليلي) ورثت العار عن أمّها. تتفجّر هذه الاتّهامات بعد عثور كاثرين على مذكِّرات (ليلي) الحافلة ببوح داعر، واشتهاء صريح، لا يحتمله قلبها المكلوم.
ربما يكمن مفتاح قصّة الاختفاء في ثنايا مدوِّنة (ليلي) السرّية تلك، فالفتاة منتشية بفكرة لو أنها تغدو عاهرة في نظر الآخرين. تلك الكلمة الجارحة ذاتها التي سمعتها الأم غير مَرّة من صوت مجهول عبر الهاتف. لكنّ ما يبدو مقحماً على سياق أحداث الفيلم، أن كاثرين ذاتها ستصاب بنوبات اشتهاء واضطراب نفسي تدفعها إلى غواية بيرتي، ولاحقاً الضابط ديفيد، دون أن تتمكّن من إطفاء رغباتها أو السيطرة على هياج مشاعرها التي تفشل، مَرَّة تلو أخرى. تصبح المشكلة كامنة في عقل كاثرين التي لا يُستبعَد أنها تمنَّت، للحظات، لو استطاعت تقمُّص حياة ابنتها، لكن الجرأة تخونها. ربّما، سيكون بيننا من يرى في (ليلي) الشخصية العقلانية الوحيدة وسط جوقة حمقى وأوغاد: العائلة، وأصدقاء المدرسة، بيرتي، وديفيد، وكذا ثلّة الشباب المتسكّعين في الجوار.
في خاتمة الفيلم نسمع صوت (ليلي) يأتي من بعيد. تحلِّق الكاميرا في فضاء الأمكنة المقفرة التي انتزعت البطولة الرمزية للفيلم، حيث ليس ثمّة أصوات أخرى هناك. ينعدم الهمس: لا ظلام ولا ظلال، لا وجود لك ولا وجود لي، لسنا ضائعين.
بالنسبة لمخرجة تصنع فيلمها الروائي الأول، تمكَّنت (كيم فارانت) من جذب المشاهد إلى أحداث شريطها السينمائي، لكنها بالغت- في الوقت ذاته- بتوسيع رقعة الشخصيات غير السويّة فيه، وقدَّمت العناصر الأكثر تخلخلاً في حكاية العائلة التعيسة، لتنسج منها خيوط الدراما المشفوعة بجرعة غموض وترقُّب، قد يعدّه البعض مستساغاً في هذه النوعية من الأفلام.
لكن، ثمّة فرضية تفيد أن في الأدب يمكن تقبُّل فكرة أن يكون النصّ كسولاً ليوكل جزءاً من مهمّته للقارئ، من أجل سَدّ الفراغات التي تواجهه. لكن، من الصعب على الصورة السينمائية أن تكون مفكَّكة، متباطئة أو ثقيلة أكثر مما ينبغي، لأن من شأن ذلك أن يعرِّض فهمنا لمسار الأحداث والشخصيات إلى التشويش المتعمَّد. كل ما حصل على الشاشة يبدو مألوفاً في هذا النوع من الأفلام التي تسير على إيقاع السينما الأميركية البارعة، في صناعة التشويق والإثارة، وإن بمنطق تشوبه الثغرات وتنقصه المسوِّغات. ألم يقل الروائي إمبرتو إيكو: «إن التشويق ليس تقنية خاصّة بالروايات والأفلام التجارية، إنما كل الأعمال المبنيّة بشكل جيد، يمكن أن توظِّف هذا العنصر لصالحها. لكن، هل سيفطن أحدنا إلى تفسير آخر ينهل مما تعرضه الصورة ذاتها»؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة