أعراض ما قبل الدولة

كل من ما زال يقبض على شيء من العقل والانصاف، لا يمكن ان ينتظر من هذه القوى والكتل والجماعات المسؤولة عن كل هذا الضياع الذي نعيشه، اجابات او مشاريع تنتشلنا من حالتنا المزرية هذه. فلا التيارات القومجية بشقيها العروبي أو الكردي وبقية ممثلي الشوفينيات الاخرى، بمقدورها تقديم العون في هذا المجال ولا اصحاب الحوانيت الدينية والطائفية وما يتجحفل معها من مولات السماء وجنودها وأنصارها ببرامجهم الفنطازية ولا بقية الاحزاب العقائدية الشمولية بماركاتها الحداثوية يمكنها ان تنتشل مشحوفنا المشترك مما يتربص به من مخاطر ومحن. لا يجدي نفعاً لسكان كردستان القاء اللوم على من يرطن بلغة العرب أو الترك والفرس بما حل بهم من مصائب وحروب لم تتوقف ولا افق منظور لتوقفها قريباً. ولن يبلسم جروح الشيعة اتهامهم للسنة بكل ما جرى لمناطقهم وابنائهم من حيف وظلم، وكذلك هو الأمر مع السنة وهرولاتهم خلف منصات الاحقاد الصدئة. كل هذا التنوع والتعددية في الرطانة والمنحدرات والاعتقادات طبيعية وهي تجلي واقعي لناموس الحياة وحركتها المضطردة وتعدديتها. وما أكبر بلد في عالم قريتنا الكونية (الهند) الا مثال لا يقبل التأويل في الاجابة على مثل تلك الادعاءات الزائفة والمثقلة بالاحقاد والكراهة وشيطنة الآخر المختلف، من تلك التجربة العظيمة لبلد المهاتما غاندي يمكننا فك طلاسم محنتنا العضال. في التصدي لمهمة بناء الدولة الحديثة، غير الملوثة بهذيانات وهلوسات قوافل ما قبل المغفور له كوبرنيكوس، دولة لا دين ولا تمييز قومي أو عرقي لها، دولة تضع حد لكل المغامرين والقراصنة والعابثين بقوانينها المناصرة لحقوق عيال الله وحرياتهم، كما حصل مع جميع الامم والمجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري.
ما نشاهده اليوم في مضاربنا المنحوسة، لا يمت بصلة لكل هذا الصراخ والعويل الآيديولوجي المسكون بالقاء التهم على الآخر المختلف، ولا يمكن الانعتاق من دوائره القاتلة، الا بالعودة الى هذه المهمة المغيبة (بناء الدولة الحديثة) والتي يقاومها كل هذا الطيف الواسع من صناع التشرذم وسماسرة “الهويات القاتلة”. هذا المشروع لبناء الدولة والامة العراقية والذي اغتربنا عنه بعد اغتيال حلم الجمهورية الاولى عام 1963، لا يمكن استرداده وحسب بل اصبح اليوم ومع هذه المتاهة السياسية والقيمية التي نعيشها؛ ضرورة ملحة ولابد منها للحفاظ على ما تبقى لنا من هذا الوطن القديم الزاخر بالتعددية والتنوع المادي والروحي. لا شيء غير مواجهتنا للتحديات الحقيقية لا الخرافية يمكن ان ينقذنا من الكارثة المحدقة وفواتيرها الباهضة، تحديات التأسيس لوعي جديد يكون امتداداً لتطلعات المؤسسيين الاوائل للوطنية العراقية وعلى رأسهم الشخصية العراقية الفذة جعفر ابو التمن، والذي تعد سيرته ورفاقه الآخرين ومواقفهم الشجاعة والمسؤولة بمثابة خا رطة طريق لن تخيب في اقتفاء أثر القافلة التي وضعت نصب عينيها مصالح الوطن والناس بعد أكثر من ألف عام وعام من العبودية والانحطاط..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة