حماية المنتج الوطني سر النجاح و التقدم

علي صابر محمد *

جميعاً نتباكى على توقف الصناعة في العراق بعد التغيير عام 2003 وتراجع الزراعة وتعثر انتاج الطاقة وغياب أستثمار السياحة لتعظيم الموارد وارتفاع أرقام الانفاق في موازنة الدولة مقابل شحة الايرادات وأعتماد الموازنة كلياً تقريباً على مبيعات النفط والتي تخضع للمضاربات الدولية وتحكم المشتري من الدول الكبرى واحتكاراتها بسوق النفط ، وتعقد ندوات وتطرح دراسات حول كيفية النهوض بالأقتصاد العراقي ونشهد جدالات حول آليات الانتقال من ألأقتصاد المنضم الى أقتصاد السوق بناء على توصيات البنك الدولي ودور مؤسسات الدولة وتعاملها مع القطاع الخاص كشريك فاعل وأهمية مشاركة المواطن في دعم المنتج الوطني وتخصص الحكومة بين حين وحين آخر مبالغ لدعم المشاريع الصغيرة بغية تنشيط الحركة التجارية في البلاد وفسح المجال للقطاع الخاص للدخول مع القطاع العام في ابرام عقود مشاركة لبعث الحياة في مصانع الدولة وأقدم بعض المستثمرين على ادخال خطوط انتاج جديدة الى الصناعة العراقية ، فكل هذه الخطوات برغم هشاشتها ومع كونها ذات طبيعة أستهلاكية وليست ذات بعد أستراتيجي الا أنها تعد ايجابية وتصب في خدمة المجتمع ولكن يعوزها أهم قرار يحيي الصناعة والزراعة الوطنية وهو قطع الطريق أمام السلع والخدمات المستوردة والمنافسة للمنتج الوطني فبغير حماية المنتج الوطني لا يمكن أنجاح المشاريع المحلية اطلاقاً فالأنتاج المحلي بسبب غياب الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود وأهتزاز وتذبذب سوق العمالة يعد عالي الكلفة وأقل جودة قياساً بالمستورد واذا كان أقتصاد السوق يفرض حرية المنافسة فأن الدول الرأسمالية القائمة على تطبيق قوانين السوق الحرة لديها تشريعات صارمة لحماية منتجاتها المحلية وذلك بفرض الضرائب العالية على المستورد وفي بعض الاحيان تمنع سلعاً محددة بالكامل من دخول بلدانها اذا كانت تضر بمصالح المنتج المحلي ، فأذا قامت الحكومة مؤخراً بتخصيص خمسة مليارات دولار كقروض تمنح للمواطنين لدعم المشاريع الصغيرة فأن هذه المبالغ سوف لن تحدث نقلة نوعية في واقع الصناعة والزراعة المتخلفين وقلنا سابقاً بأن هذه المبالغ سوف لن تذهب الى الغرض الذي من أجله أنشئت هذه القروض وذلك لعدم قدرة المنتج المحلي الزراعي والصناعي من منافسة مثيلاته المستوردة من حيث الكلفة والنوعية ما لم يتم حماية المنتج المحلي من المنافسة الخارجية وأذا كان البنك الدولي يوجه الدول النامية على تعويم السلع وأسعارها فأن المستفيد الاكبر سيكون الانتاج الكبير الصادرمن الدول الكبرى فقانون اقتصاد السوق واضح بأن المشاريع الكبيرة تبتلع المشاريع الصغيرة وفي هذه الحالة كان من المفروض بالحكومة وهي ماضية بالألتزام بقوانين السوق تحويل المبالغ المخصصة للمشاريع الصغيرة الى بناء خمسة مشاريع كبيرة تنتج سلعاً استراتيجية يكون بمقدورها الصمود في المنافسة وتستطيع امتصاص جزء من البطالة وتعوض المواطن عن السلع المستوردة بسلع وطنية كفوءة وبكلف مقبولة ، أما أن نزيد من عديد المشاريع الصغيرة ونزجها وسط مشاريع عملاقة ونطلب منها الصمود والمنافسة فهذا شيء فوق الطاقة فالحكمة تقول أذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع ولا نرى ذلك غير ذر الرماد في العيون ومحاولات سياسية لكسب رضا الشارع وامتصاص غضب الشباب العاطل عن العمل وخطوة غير مدروسة ولا تتعدى كونها هدراً للمال العام حالها حال مثيلاتها من القرارات المبددة لثروة البلاد أما اذا رافقها اصدار تشريعات تمنع دخول السلع المستوردة المنافسة للمنتج الوطني فستكون الخطوة ناجحة وستؤتي أكلها وستكون عاملا منعشاً للحركة التجارية وستخلق أجواءا أيجابية وسط السوق التجارية المنفلتة ، وللعراق تجربة قريبة بهذا الخصوص ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أقدمت دائرة التنمية الصناعية التابعة لوزارة الصناعة وبعقلية أستهلاكية أيضا بمنح أجازات للمعامل الصناعية الصغيرة وبرأسمال لا يتعدى ستة آلاف دينار لمكائنها وأنشئت عشرات الآلاف من المعامل الحرفية لتنتج سلعاً بسيطة للأستهلاك المحلي وكان هناك ميل نحو حماية المنتج المحلي عندما يكون قادراً على سد أحتياجات السوق ، وعندما تعرض البلد الى الحصار الاقتصادي وبعدها الى الانفتاح نحو السوق الحرة تلاشت جميع هذه المعمل ولم يبقَ منها شيء لأنها لم تكن بالمستوى الذي يؤهلها للصمود أمام المنافسة ، فالتجربة لم تصل بالبلد الا الى تبديد الثروة الوطنية ، واليوم تعاد التجربة نفسها من جديد وبأسلوب آخر ومن دون حماية.
الامر لا يقتصر على اصدار التشريعات لحماية الانتاج الوطني لدى قيام أية ثورة أقتصادية وفي أي بلد وانما يجب ان يصاحبها أستيعاب وتقبل الشارع لهذا الانتاج وعلى أن يكون المنتج خاضعاً للرقابة الحقيقية من حيث الجودة وطريقة التسويق وأن لا يساء أستعمال هذه الحماية لأغراض الكسب غير المشروع من قبل الاحتكاريين وذوي النفوس الضعيفة وتشويه سمعة الانتاج الوطني ، وهذا يأتي من خلال الوعي الاجتماعي العام والثقافة الوطنية السائدة ومدى تلاحم الجماهير مع القيادة السياسية وبقدر حجم المسؤولية التي يشعر بها المواطن تجاه بلده ومساهمته وحرصه على تقدمه فهناك ثقافة اللامسؤولية الشائعة التي تربى عليها الكثيرون وخاصة في عراقنا المنكوب تقوم على قاعدة أن مغنية الحي لا تطرب فمسبقاً يصدر النفور عن كل شيء محلي حتى وأن كان قمة في الجودة والقيمة وكأنه توجد حساسية بين المواطن والسلعة المحلية وهذه الظاهرة منتشرة في كل البلدان التي توجد فيها فواصل كبيرة بين الحاكم والمحكوم ، بين الذين يديرون البلد و يسيطرون على مفاصل القرار والانتاج معاً وبين الشعب ، في حين نرى تجارب الشعوب التي نهضت وبنت لها قوة اقتصادية متينة وتقدمت لتأخذ مكانها بين الامم المتقدمة بسبب تضامن الشعب مع الحكومة لبناء الدولة والنهوض بواقعها ، اضافة الى الحكمة والاخلاص التي أتصفت بها قيادات تلك الدول وقادت شعوبها الى الرقي والتنمية الحقيقية وقدمت للعالم تجارب تسر الناظرين ويفتخر بها صناعها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة