المرحوم الجلبي ومجلس الإعمار

في 1950 اسس «مجلس الاعمار» والذي وضعت تحت تصرفه كامل الموارد النفطية للقيام بمشاريع استراتيجية كبيرة كالسدود والكهرباء والطرق، والتي ما زالت ركيزة مهمة للبنى التحتية العراقية، ثم خفضت النسبة الى 70%، ومع تموز 1958 الغي «مجلس الاعمار» وخفضت لاحقاً في 1961 الى 50%، خصصت لخطط التنمية واسست وزارة التخطيط لهذا الغرض ليذهب الباقي الى خزينة الدولة الاعتيادية. وبمرور الايام امتصت الدولة جميع الموارد النفطية، وتحول النظام الى نظام ريعي عسكري دكتاتوري صرف دمر البلاد بقمعه وحروبه، قبل ان ينتقل بعد التغيير في عام 2003 الى نظام تتصارع فيه القوى على الكعكة الريعية التي تضعها على الطاولة اموال النفط.
في موازنة عام 2015 تم افراد مادة لـ»مجلس الاعمار» ليصبح مرتكزاً لاعادة احياء الاقتصاد الوطني والاستثمارات خارج اقتصاد الدولة. تنص المادة 27 «لمجلس الوزراء انشاء المجلس الاعلى للاعمار وعلى ان ينظم ذلك بقانون خلال ثلاثة اشهر». وقد فاتح السيد رئيس الوزراء العبادي المرحوم الدكتور الجلبي ليتولى منصب رئاسة المجلس.. وكنت من جملة من شاورهم المرحوم في هذا المقترح وكنا من المشجعين لتوليه هذا المنصب الحساس لقدراته الكبيرة في الشؤون الاقتصادية، ومعرفته الواسعة بعمل الشركات وانماط الاستثمارات والشؤون المالية.. لكن الدكتور الجلبي كان متردداً، وكان يخشى ان لا يتمتع بالصلاحيات الكافية، وكان يرى ان يتولى رئيس الوزراء نفسه رئاسة مجلس الاعمار.
بتاريخ 15 ايلول المنصرم حصل لقاء منفرد مع السيد رئيس مجلس الوزراء، حيث اقيم، استمر من العاشرة مساءً حتى الثانية عشرة بعد منتصف الليل.. ودارت احاديث كثيرة في شتى الشؤون. ومرة اخرى طُرح موضوع مجلس الاعمار، وان الدكتور الجلبي هو الرجل الاصلح لهذا المنصب. وطلب الدكتور العبادي مني ان اتحرى استعداد الجلبي لقبول المهمة. خلال هذه الفترة جرت عدة اتصالات هاتفية مع المرحوم الجلبي.. لم اشأ ان احدثه بالموضوع عبر الهاتف. اتفقنا ان نلتقي سريعاً.. لكن مشاغلي، ومشاغل المرحوم، واضطراره للسفر لترتيب امور خاصة كما اخبرني منعتنا من الاجتماع.. وقبل ايام من وفاته اتصل مستفسراً عن بعض الارقام، وامكانية استضافة الدكتور العامري مدير عام «سومو» في اللجنة المالية لمطابقة ارقام الصادرات النفطية وارقام البنك المركزي ووزارة المالية.. وبالفعل تم الاتفاق ان تتم الاستضافة يوم الخميس 5 تشرين الثاني، كما اتفقنا على اللقاء الذي كنت انوي فيه مفاتحته في موضوع «مجلس الاعمار». لكن ارادة الباري عز وجل شاءت ان لا اراه الا وهو مسجى على فراش الموت، في الساعة الثانية عشرة ونصف تقريباً من يوم الثلاثاء المصادف 3 تشرين الثاني، وبعد ان تركت جلسة مجلس الوزراء بعد وصول خبر وفاته.
رحم الله الدكتور الجلبي، فقد خدم العراق بكل صدق واخلاص وتفان.. صادقاً، عالماً، ميدانياً، طيباً، منفتحاً، متواضعاً، عنيداً في الدفاع عن مبادئه ومواقفه، لكنه بالمقابل سهل الاقناع، وبارع في اقناع الاخرين.. فهو رجل حجة وبرهان ومنطق ووقائع وارقام.. يلقيها على الاخرين فيُقنع، ويتقبلها من الاخرين فيقتنع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة