من يغيّر من؟

لن نجافي الحقيقة عندما نضع شعوب وقبائل “خير أمة” على رأس سلالات بني آدم في مجال صناعة وابتكار التشريعات والمدونات المتخصصة بعلوم التحريم والتفسيق وغير ذلك من تقنيات الحفر والنبش حول مطمورات اسلافهم عن “حدود الله”، حماسة أدهشت العالم بكم هائل من الفتوحات في مجال بعث المومياءات. مع مثل هذه الهموم والاهتمامات والاولويات لا يمكن توقع غير هذه المشاهد الغرائبية المثقلة بكل ما هو متنافر والذرى التي ارتقت اليها الامم الحرة والمجتمعات الحديثة. جماجم معبئة بكل أنواع الانقاض والنفايات الضارة، هل بمقدورها التعرف على ما تعنيه مفردات مثل التغيير والاصلاح على سبيل المثال لا الحصر؟
بعد وصول بواكير المؤشرات على قرب جفاف ضرع رزقنا الريعي، تبخر وخلال وقت قياسي قسم كبير من الاحتياطي المالي والمرشح الى الانحدار لمستويات تهدد بحصول تداعيات لن تدرك ابعادها أكثر المخيلات تشاؤماً. لقد اشرنا لمثل هذه المخاطر في عدد غير قليل من المقالات الاخيرة والتي حاولنا تسليط الضوء فيها على فزعة التظاهرات وما يعرف بحزمة الاصلاحات وغير ذلك من الحماسة التي انتابت الكثير من الافراد والكتل والجماعات. معطيات الخراب هذه لم تهبط على تضاريس مضاربنا المنحوسة من كوكب معاد او غير ذلك من عطابات تبريرية بائسة؛ هي نتاج لعقليات وضمائر ادمنت على عقائد الشراهة والفرهود المتسللة الى اعماق صبغتنا الوراثية وثوابتنا المثقلة بالزنجار. من يتابع سلسلة القرارات أو ما يطلق عليها بحزمة الاصلاحات لرئيس مجلس الوزراء الحالي السيد حيدر عبادي ونوع ردود الافعال التي اطلقتها، يدرك نوع المحنة التي تواجه كل من يضعه حظه العاثر على سدة الدراهم والقرار في هذا الوقت الذي وصل فيه مشحوفنا المشترك عند منعطف طرق لم نشهد مثيلاً له من قبل.
روّجت مطبوعات ومنصات “اعلام ما بعد التغيير” لما يدعونه من تفويض لا مثيل له، حصل عليه السيد العبادي من المرجعية والناس، وعلى هذا الاساس الهش يدعونه للمضي بقوة وحزم في اصلاح هذه البنية المنهارة للنظام السياسي الحالي. هذا الوهم العابر للحالة الواقعية التي انتجت لنا كل هذه الهلوسات والمتاهات، سيزيد من جرعة ضياعنا وعتمة خطاباتنا الضحلة. كبسولات السذاجة والبلاهة هذه لن تضيف لنا غير المزيد من الخيبات، كلنا يعرف حجم ونوع الخنادق والمتاريس التي حفرت بين سطور ما دوّنه دستور الفتح الديمقراطي المبين عن المكونات وحصص “الهويات القاتلة” وما أهدتنا من صفحات جديدة لارثنا المرصع بالغزوات والفتوحات ضد بعضنا البعض الآخر، فعن أي تفويض يجري الحديث. ليس لدي ادنى شك من معرفة السيد العبادي بزيف مثل هذا “التفويض” ولن يمر وقت طويل حتى تجد الفزعة الجديدة للاصلاح والتغيير نفسها معزولة ووحيدة وسط أسنة رماح القبائل السياسية المتنازعة عند أطراف ما تبقى من اسلاب الوليمة الأزلية، حيث لا وجود لقوى تطيق المغزى الواقعي لا الخيالي لمفردة التغيير..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة