السياسي والناس

علي صابر محمد *

أن الاهتمام بالشأن العام صفة حميدة تدل على الرفعة والرقي في التفكير والعمل وليس الجميع يمتلكون صفتها وليست سمة كل الناس ولا ينبري لها الا من هو واع لدوره في الحياة ويمتلك من سعة الافق ليعيش معاناة وهموم الآخرين أضافة الى مشكلاته ويشعر بمقدرته على معايشة آلامهم وأحزانهم والاسهام في مساعدتهم وحل مشكلاتهم وبعضهم تمتلكه الشجاعة والاقدام ليكون في الصدارة بين أقرانه عند كل نازلة وكل معترك يواجه الخطوب ويقتحم الصعاب وبعضهم يكون ضمن القافلة التي ترى في منفعة الناس عملا أخلاقياً سامياً يرتقي لها الصالحون والمصلحون ليكسبوا رضا واحترام المجتمع ، وعبر التأريخ أنجبت الحركة الوطنية في العراق رجالا آثروا مصالح الناس على مصالحهم الذاتية وتفانوا من أجل حقوق المواطنين وتعرضوا لذلك الى أشد أنواع التعذيب والحرمان من قبل الطغم الحاكمة وتقاسموا في السجون والمعتقلات رغيف الخبز المغمس بدمائهم من أجل أن يعيش الآخرون حياة حرة كريمة ولكي لا يكون الناس حطباً لمطامع الظالمين ومنهم من تسلق أعواد المشانق وقدم حياته قرباناً للشعب لكي ترسو أسس العدالة الاجتماعية وتطبق القوانين التي تنظم حياة المجتمع ورفع الحيف عن الناس ، تجدهم بين الجماهير يتقاسمون معهم زادهم ويحملون همومهم وتحميهم أجسام الجموع يواجهون قيظ الصيف جنباً الى جنب مع الفقراء ويتصببون عرقاً سواسية ، يتقدمون الصفوف في كل مطلب للحقوق وفي كل التحديات لهم بصمتهم ولهم صوتهم المدوي وفكرهم النير ورؤيتهم الصائبة وبصيرتهم الثاقبة ، أوفياء للعهود تجدهم أكثر الناس تعففاً وأصدقهم قولا وأرقهم عاطفة وأنبلهم وفاء وأشجعهم عند الملمات وأصبرهم عند الخطوب وأثبتهم في الشدائد هم أول من يضحي وآخر من يستفيد زهدوا عن الدنيا ولم تغرهم المغانم ولا الملذات بل أستهوتهم التضحيات يشاركون جيرانهم بزادهم ويتبادلون أحاديث الود والأنس مع الاصدقاء بكل طيبة وبساطة ، ينشرون المعرفة وينيرون الدرب أمام الاخرين ولا يخافون في الحق لومة لائم ولا يتهربون من خوض غمار الحروب طالما تريح الضمير وتفتح أبواب الأمل للجميع ، هذه الصفوة من الرجال يخلدهم التاريخ ويمجد سيرتهم وتبقى أسماؤهم نجوماً لامعة في أذهان الناس ونورا يشع في سجل الأمم ورموزها ، مثالا صارخا في النزاهة والاخلاص والعمل الدؤوب والتفاني من أجل الآخرين ، لم يكن النوم صديقهم فقد عاشروا سهر الليالي حتى الاعياء جراء عبء المسؤولية والخوف من التقصير في الواجب ، وتسعى القوى الوطنية لأستقطاب الأشخاص البارزين في الحياة الاجتماعية ولهم دورهم بالتأثير على أوساطهم سواء علمياً أو أجتماعيا وتكون مواقفهم محط أنتباه وإشعاع في محيطهم لتزج بهم في قلب العمل السياسي ليكونوا العقل الناضج والقلب النابض لأدامة زخم العمل الجماهيري لنيل الحقوق والنهوض بالمجتمع ، ولنتساءل اليوم كم من هذه المواصفات متوفرة في رجالات المشهد السياسيي ، فقد ألفنا في سياسيي المصادفة أو الذين لا يعرفون عن السياسة شيئاً ولكنهم تبؤوا مواقع سياسية وباتوا جزءاً مهماً في المعادلة السياسية التي تتحكم بمصير البلاد والذين جاءت بهم المحاصصة الطائفية والسياسية ولم يحصلوا على أصوات الناخبين ، رجال شعارهم كيف يستفيدون من كل خطوة وكم سيجنون من كل موقف ، يجيدون الاتفاق على تقسيم الغنائم وعقد الصفقات ، السياسة في نظرهم هو أستثمار فمن ينفق أكثر يربح أكثر ومن يقبع في الاقبية والأماكن المنزوية أو على موائد العشاء أو في الفنادق ذات الخمسة نجوم فأحتمالية فوزه كبيرة ، ومن ينتقل من جبهة الى جبهة أخرى مربحة أكثر فالنجاح سيكون حليفه فهم مع الريح حيثما تميل يكونون معه ، ومن يجيد التلاعب بالكلمات ويعزف مثلما تتطلب المصلحة يتصدر المجالس ويكون ناطقاً لبقاً وتتهافت عليه وسائل الاعلام وتملأ صوره واجهات الصحف ، رجال صغار مع أنفسهم وفي قيمهم وأن كانت لهم جثث ضخام ، أناس ديدنهم خيانة العهود تفصلهم عن الناس هوة كبيرة فآثروا الأختباء في المنطقة الخضراء الآمنة لحماية أنفسهم من الجماهير ، لغتهم لا تشبة لغة الناس ولا تفكيرهم ينصب حول هموم الشعب ، معيارهم الفائدة ودينهم دنانيرهم ، يعتاشون على جهل الناس ، يتسللون الى العقول الفارغة تعلوهم لافتات سطر عليها كلمات حق ولكن أريد به باطل وجوهره أثارة الغريزة وتنمية الخرافات ومحاربة التنوير ، يحبون العمل في الظلام لأن النور يكشف كل مستور، وأن حلت بالبلد فادحة يشدون الرحال الى حيث الأمان بعيداً عن القلق والمخاوف فلهم أكثر من جنسية وأنتماء ، والغريب في الموضوع أن بعضهم خرج من رحم المعاناة وذاق بطش النظام السابق ويجب ان يكون ناصراً للمظلومين لا أن يحل محل الظالمين
بعد أكثر من أثني عشر عاماً من تسلق السياسيين الجدد سدة الحكم والمسؤولية ، ماذا أنتج هؤلاء غير الخراب الذي حل بالبلد وتدمير الاقتصاد وتمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع والاقتتال بين المكونات وليس هدر الاموال الطائلة وسرقة المال العام وانعدام الخدمات فقط بل وأرتفاع نسب البطالة بين الشباب وزيادة رقعة الأمية وتفكك الدولة وسقوط ثلث العراق بيد الارهاب وبرغم الحرية المفرطة التي تمتع بها العراق الا أن كبح الانفاس ولجم الافواه تحول من يد السلطة في النظام السابق الى يد المسلحين خارج اطار الدولة في العهد الجديد وبات الفساد الاداري والمالي سمة ملازمة للمرحلة الحالية ، وأذا كانت الشعائر الدينية المقدسة بدأت تمارس بحرية مطلقة فأن هذا مدعاة ليس لتدمير الدولة بالعودة الى الوراء بل من المفروض ان تكون حافزاً قوياً لتقويتها ومنحها المتانة والهيبة واستنباط العبر من التأريخ ونشر ثقافة الروح الثورية لهذه الشعائر ولتكون نبراساً يهتدي به المتطلع للحرية ولتكون مظهراً من مظاهر الفخر والاعتزاز ولكي لا يكون بمقدور أعداء النظام الديمقراطي الطعن بالممارسات المخيبة للأمال التي تطفو على السطح يومياً من قبل الساسة الجدد وأن لا يفسح المجال بمقارنة الوضع السياسي والأمني اليوم بما كان سائداً قبل التغيير وخاصة في مجال توفر الأمن والأمان .

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة