تكريم الفساد

سلام مكي *

الفساد، جرد العراقيين من ارواحهم وثرواتهم، وجعلهم مشردين ولاجئين او تحت التراب! الفساد ليس مجرد ظاهرة اجتماعية او قانونية، بل هو مجموعة كتل بشرية تمارس ابشع فعل اجرامي ممكن ان يسهم في تخريب المجتمعات وقتل الروح الانسانية لدى افراد المجتمع. بعد سقوط النظام، برز الفساد كلاعب اساسي في الاحداث السياسية. حلم العراقيين بوطن أفضل، تلاشى بعد ان اكتشف انه وقع بمأزق لا يقل بشاعة عن الدكتاتورية. هذا الفساد هو عبارة عن كتل واحزاب وطوائف وافراد، متعطشين الى جني الاموال وقتل المخالفين لها والواقفين بوجه مشاريعها. هذه الشريحة من الافراد أتوا عن طريق ما يسمى بالانتخابات. المنطق يقول: ان تجربة الانسان مرة هو المعيار في تحديد صلاحيته لممارسة فعل شيء. العراقيون انتخبوا نفس الوجوه و الاحزاب نفسها، منذ عام2005 ولحد عام2014 ولم يستطع ان يميز بين الصالح والطالح. فاستمر في انتخاب الفاسد برغم فساده، بل نجده يكرم اشد الناس فساداً بأن ينتخبهم في مناصب اكبر من مناصبهم الحالية. امثلة كثيرة على تكريم الفاسدين من قبل الشعب. في احد المدن العراقية، فاز في احد الانتخابات البرلمانية ثلاثة محافظين سابقين. اولهم نصب من قبل الاميركان، ومارس هذا الشخص ما لم يخطر على بال احد من عمليات فساد ونهب للمؤسسات الحكومية، ثم ثار اهل تلك المدينة عليه لسبب او لآخر، واعتصموا امام المحافظة، حتى اخرج من منصبه رغماً عنه. بعد ان امتلك المليارات هو ورهطه، من دون محاسبة من احد. بعد ذلك رشح نفسه للبرلمان، فقرر الشعب التكفير عن ذنبه وانتخب هذا المحافظ الذي خرج عليه قبل سنين. المحافظ الآخر، تقلد اكثر من منصب في الحكومة المحلية ومجلس المحافظة، فكانت مقدرات تلك المحافظة بيده، فكانت النتيجة هي بنى تحتية مهدمة، مشاريع فاشلة، لا خدمات، لا شوارع، لا مجاري. فكانت نتيجة هذا الفشل، هو تكريمه من قبل اهل مدينته بأن تم انتخابه كعضو في مجلس النواب! الآخر الطريق نفسه ، تقلد منصب المحافظ، وهو لا يملك شهادة دراسية ولا خبرة ولا اي مؤهل يؤهله ليكون مسؤولا عن امن وحياة الناس. فقد يملك ميزة الانتماء الى حزب ذي سطوة ونفوذ في تلك المحافظة! هو كذلك كرم بمقعد في البرلمان! فأي منطق، يدعو آلاف الناس للخروج بتظاهرات ضد المسؤولين المحليين، بعد اقل من سنة على انتخباهم مرة أخرى؟ المجرب يجرب! هذا شعار الجماهير، تريد تجربة الفاسد مرة ومرتين وثلاثاً مادام متمسكاً بحزبه الذي يرفع شعارات المذهب والطائفة ووو. مسؤول يفشل في الحصول على بضعة آلاف من الاصوات للحصول على مقعد في الحكومة المحلية، وبعد سنة يرشح للبرلمان الذي يحتاج الى اضعاف ما يحتاجه عضو المجلس فيفوز بجدارة واستحقاق! فلا اعلم ماذا ينتظر جمهور هؤلاء، فهم لم يحصلوا على شيء عندما كان مرشحهم موجودا في محافظتهم، فهل سيحقق لهم شيئا عندما يكون في بغداد؟ وهل هذا المسؤول الذي فشل في تحقيق أي انجاز لصالح من انتخبه وهو في منصب ادنى يمكنه تحقيق شيء وهو في منصب اعلى؟ مظهر آخر من مظاهر تكريم الفساد هو انتخاب شخص قادم من غير محافظة، فشل هناك في الحصول على مقعد في مجلس محافظته، فجاء الى محافظة أخرى عزاؤه الوحيد هو قرابته من رئيس الوزراء، فلا كفاءة ولا شهادة ولا أي شيء يملكه سوى انه قريب الحاكم، وبما ان هذا الحاكم له اتباع كثر ومحبون فلا شك ان انتخابه لأجل عين الحاكم هو امر لا محالة. وفعلا حصل ما هو متوقع، اذ انتخب الرجل، وحصل على آلاف الاصوات من دون ان يعرفه احد او يسمع باسمه احد. هذه احد مظاهر التكريم التي حظي بها الفساد من قبل الشعب، لكن هناك مظهر لا يقل خطورة عن المظهر الأول هو القانون. اذ تم تشريع عدد من القوانين التي يمكنها ان تحمي الفاسدين وتقلل من فرص محاسبتهم عبر تعمد عدم وضع عقوبات رادعة بحق المسؤولين المخالفين، من هذا قانون هياة النزاهة الذي سمح لرئيس الهيئة عدم عرض ملفات الفساد على القضاء بحجة عدم قناعته بوجود جريمة، اضافة الى عدم وضع عقوبة بحق الرئيس في حال تحفظه على ملف تبين فيما بعد انه يشكل جريمة، وغيرها الكثير من الاشكاليات التي من شأنها عرقلة جهود مكافحة الفساد من قبل المؤسسة المسؤولة عن هذا الملف. كما ان الاجراءات الطويلة التي تتطلبها القوانين الآخر كقانون ديوان الرقابة المالية والمفتش العام وغيرها من الاجهزة الكثيرة التي تدعي انها تحارب الفساد. عمل هذه الاجهزة يتلخص بزيارة الدوائر الحكومية والبحث في سجلاتها الرسمية وفي حال وجود خلل او فساد في تلك الدائرة فإنها ترفعه الى النزاهة التي بدورها تحقق هي كذلك بالموضوع وفي حال اعتبارها الامر جريمة فسترفعه بدورها الى القضاء اي محكمة التحقيق التي تحقق بدورها في الامر وفي حال توفر القناعة لديها بأن الفعل جريمة فانها سترفعه الى الجنايات او الجنح، وهذا الامر يتطلب اكثر من سنة مع اخراج الموظف المتهم بعد يوم من توقيفه بكفالة، ليعود الى ممارسة عمله بنحو طبيعي. هذه احد مظاهر تكريم الفساد والشعب مستمر وللأسف بتكريم الفساد ورموزه.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة