متاهة اسمها الديموقراطية

اهم مايميزنا نحن العراقيين هو اختلافنا بشأن جميع مفردات القاموس السياسي بدءا من تعريف السياسة والدولة، وانتهاء بمفهوم المواطن والمجتمع، فهناك اكثر من تعريف لكل مفردة على خلاف الدول الديموقراطية المتقدمة التي لايختلف فيها الناس على ثلاثة ارباع مفردات القاموس السياسي الذي نتقاتل نحن على طبيعة فهمنا لكل مفردة فيه.
اذ اننا نختلف على تعريف مفهوم الدولة ولكل منا مفهومه الخاص للدولة، بين من يطالب بقوتها وبين من يطالب بان تبقى مجرد اسم لاغير، تحت غطاء اللامركزية او غيرها، ونختلف على مفهوم الاسلام بين من يفهمه كمنظومة اخلاقية ونظام قيمي سماوي، ومن يفهمه كنصوص ظلامية تبيح القتل والارهاب وتزرع الكراهية في النفوس، فليس لدينا مفهوم واحد للاسلام، لدينا الاسلام الانساني المحمدي ونقيضه الاسلام الداعشي، وبين هذا المفهوم وذاك تتولد عشرات المفردات الدخيلة على وعينا كل يوم.
نختلف في فهم السياسة وفهم علاقتها بالدين، وعلى فهم الاقتصاد ومساراته، وعلى الطقوس و المناسبات الدينية، ومن النادر ان نتفق على مفهوم واحد يرتبط بطريقة فهمنا للظواهر والعادات والتقاليد والقيم السياسية التي حولنا.
اختلاف الفهم لدينا ولد حالة من الارباك بشأن تعاطينا مع البيئة الديموقراطية التي من المفترض ان تكون ملائمة لتنمية سياسية تحمي البلاد من الاستبداد والظلم وطغيان شخص او فئة على حساب مستقبل الشعب، لكن من الواضح ان الحرية تتطلب وجود شعب على استعداد كامل للتعامل معها، وطبقة سياسية مدربة للعمل على وفق مساحاتها بمرونة وبراعة.
وبالمقابل فان الحرية التي اتاحتها النظم السياسية الليبرالية في الولايات المتحدة واوروبا تقوم على اتفاق الجميع على غالبية مفردات القاموس السياسي، بدءا من طبيعة ووظائف الدولة، او علاقة المواطن بالسلطة السياسية، او مفهوم الحرية، او علاقة الدين بالدولة، ليس ثمة اختلاف بشأن اي مفردة سياسية او فهم او تحليل لظاهرة سياسية بل انه الفهم الاوروبي للاحداث يقوم على ثوابت ميزت الحضارة الاوروبية والاميركية عن غيرها.
فاين الحضارة العراقية والعربية والاسلامية التي اتخمونا بالحديث عنها، اين دور الثقافة التي نتشدق بها، اين فهمنا المشترك، اين المشتركات في وعينا، كلها امور ومسائل مفقودة تشكل ثقوبا في جسد الديموقراطية العراقية، تلك الديموقراطية التي شوهتها الانانية والنرجسية والعقد النفسية والاطماع الشخصية، وبالتالي فنحن على اعتاب الاستعداد النفسي لاستقبال ديكتاتورية رشيدة تنتشلنا من وهم الديموقراطية الذي اغرقنا انفسنا من دون ان نضع لانفسنا خارطة للخروج من هذه المتاهة.
عباس عبود سالم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة