ديمقراطية قريش

قرون من تغييب العقل وسبات الضمير، جعلنا من دون عيال الله، حقولا مستباحة لكل أنواع المغالطات والانتهاكات، من بواكير تلك المغالطات التي تحولت الى أم ثوابت “خير امة” هي تطويب كرسي الخلافة الوضعية والسماوية للقبيلة التي كرست كل امكاناتها ومواهبها وشيوخها لمحاربة آخر الاديان (الاسلام) حيث تلقفت قريش بعد رحيل النبي صولجان الحكم المطلق من دون بقية خلق الله. مع مثل هذه الفرامين المتنافرة وأبسط شرائع الارض والسماء، والتي جعلت من عدالة السماء بائسة ومتخلفة مقارنة وخربشات البشر التي قوضت كل أشكال التفرقة والتمييز على اساس الرطانة والاعتقادات والازياء؛ يمكن فك طلاسم كل هذا البؤس العضال الذي لم يفارقنا منذ أكثر من ألف عام وعام.
برغم أنف الغوث العابر للمحيطات والذي انتشلنا من أحد اكثر الانظمة شمولية وهمجية ربيع عام 2003، الا ان ممثلينا في برلمان ما بعد الفتح الديمقراطي المبين، مستميتون في اتباع اثر بعرور تلك القوافل الغابرة، وما مأثرتهم الاخيرة والتي تجاوزا فيها كل متاريس التشرذم الطائفي والعرقي، واجتماعهم على صيانة ذلك الارث المزري من مدونات عصور ما قبل محاكم التفتيش، الا برهان واضح على حقيقة هويتهم وزيف ادعاءاتهم حول الحريات وحقوق الانسان.
تمعنوا بهذه الفقرة التي اقرها أحد أسوأ البرلمانات في تاريخ البشر: (ان الابناء في الاسرة يتبعون دين أحد الوالدين ان أسلم) ما الذي يخطر ببال من ما زال يقبض على شيء من العقل والانصاف عندما يعود الى حطام ما تبقى من ذلك الارث الوجداني والانساني العظيم (الانسان أشكل عليه الانسان)؛ غير ان المنتسبين لنادي السلطة الاولى في هذه المستوطنة القديمة، يكشفون عن الاواصر الخفية والتي تربطهم بعدو الانسانية الاول عصابات داعش الاجرامية.
العراق بلد التعددية والتنوع، وكل هذه المصائب التي هطلت على تضاريسه، سببها هذه المنظومة المتحجرة من “ثوابت” الخراب وعقليات العبيد، التي لا تطيق فراقاً لاغلالها ومستنقعاتها الراكدة. وهنا نسأل مروءتكم يا من صدعتم رؤوسنا بادعاءاتكم الخاوية حول الاخوة والتسامح والمساواة؛ ما الطلب المستحيل الذي تقدم به ممثلو الكلدان والسريان والآشوريين، كي ترفضوه بكل هذا الحزم والحسم؟! لقد طلبوا اضافة فقرة الى هذه المادة، تمنح الأطفال حق تقرير انتمائهم الديني خلال سنة من بلوغهم السن القانونية. لكن ممثلي قريش وقوافل أنصار ومهاجري ما بعد الحداثة لم يتسامحوا مع هذا الحق المتوافق مع شرعة الاعلان العالمي لحقوق الانسان. قد يبدو هذا الامر قليل الاهمية وسط هول المآسي التي يعيشها سكان هذا الوطن المنكوب، لكنها في حقيقة الأمر تشكل فضيحة من العبار الثقيل لهذه الجماعات والشخصيات التي امتطت سنام المسؤولية والدراهم والقرار بعد زوال النظام المباد، حيث تهاوت كل ادعاءاتهم التقليدية منها والحداثوية، عندما التقت اجتهاداتهم وبرنامج داعش المعادي لسكان العراق الاصليين..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة