أنزال الحويجة و”المزاودات الفايخة”

المشهد العراقي الراهن يعج بفصول لا مثيل لها، بغرائبيتها ونوع خطاباتها وهلوساتها المهيمنة. ويبدو ان تدفق هذه الفصول واعادة اجترار نسخها الفجة لن ينتهي على المدى المنظور، حيث تبرهن الاحداث عن حيوية لا مثيل لها لفرسان هذه التهوعات، وديناميكية في تدوير فضلاتهم وفقاً لمستجدات تطور الاحداث. وما الضجة التي اثيرت مؤخراً حول (انزال الحويجة) الا مثال آخر على سطوة هذه الغرائبية والتيه الشامل الذي تدحرجنا اليه ببركة هذه العقول والارادات المفروزة للمصالح العابرة للحدود الوطنية. الجميع ادلوا بدلوهم حول تلك العملية العسكرية المشتركة بين قوات النخبة الاميركية ومثيلتها من قوات مكافحة الارهاب في الاقليم، والتي اسفرت عن تحرير المعتقلين عند تنظيم داعش وقتل واعتقال عدد غير قليل من عناصر ذلك التنظيم الارهابي. عملية تحولت بفعل قيح التصريحات من جانب ومحاولات فتل عنقها صوب المعالف الشخصية والفئوية، الى عامل آخر للفرقة والتشرذم، والسبب لا يعود لطبيعة تلك العملية الشجاعة والمحكمة بل الى نوع الاجندات المحركة لهذه القوى التي تقبع المصالح الوطنية العليا لهذا البلد في قعر اولوياتهم.
وكما هو الموقف دائماً من جميع الاحداث والتطورات، فضحت هذه العملية الواقع المزري الذي انحدرنا اليه بفعل نظام المحاصصة والتخندق الطائفي والعرقي ومناخاته الراكدة. عملية لا تستحق كل هذا الجحود والتصريحات اللامسؤولة ولا كل هذا الحقد والكراهة والتشويه للقائمين بها وخاصة للجندي الاميركي الذي قدم حياته من أجل انقاذ عراقيين من قبضة أكثر التنظيمات وحشية عرفها التاريخ الحديث. كما انها لا تمت بصلة لكل هذا الترويج الاعلامي والتعبوي المعتوه الساعي لتسخيرها خدمة لمهمات ترميم صورة وهم (الزعامات التاريخية) . جميع المواقف من دون استثناء، لا تستند الى قناعات واقعية ومسؤولة؛ تضع نصب عينها حجم التحديات والمخاطر التي يعيشها سكان هذا الوطن المنكوب بحيتانه السمان.
مع مثل هذه المخلوقات التي امتطت سنام المناصب والمسؤوليات بعد شوط طويل من الضياع، لا يمكن ان نتوقع غير المزيد من الهزائم وتشتت المعنويات، وما هذا الذي نضح عن الانزال الاخير في الحويجة الا مثال وعينة على ما سنواجهه مراراً وتكراراً في فصول محنتنا وورطتنا مع هذا النوع من زعامات الخيبة وأبواقهم الديماغوجية. وليت الامر ينحصر عند ذلك، بل هو يمتد الى قطاعات واسعة من هذه الحشود التي اضاعت عقلها وبوصلتها ومعنى المفردات التي يجترونها من دون ادراك لمغزاها، مثل السيادة على سبيل المثال لا الحصر، حيث يرى غير القليل ممن لم يعرفوا الحرية والشجاعة في حياتهم بأن ذلك الانزال الشجاع يعد بمنزلة مس وخرق سافر “للسيادة الوطنية”..؟!
ان مثل هذه الخفة واللامسؤولية في التعاطي مع قضايا تتعلق بحشد كل القوى المحلية والاقليمية والدولية، في مواجهتنا لأشرس حملة تشن ضد وجود ومصير هذا الوطن وسكانه من شتى الرطانات والازياء، سيجعلنا لا نستحق حتى مشاعر الأسف على ما حصل وسوف يحصل لنا برفقة هذا الجيل من الفايخين الجدد.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة