رواية الصراع الأزلي بين الواقع والمثال

غربة الروح في (أجراس الخوف)
مصطفى الورياغلي
العبدلاوي – المغرب:

إن أهم ما يستثير الانتباه في رواية (أجراس الخوف) للكاتب الروائي المغربي هشام مشبال، طموحُها الفنيُّ وطموحها الجمالي. يظهر طموحها الفنيُّ في توزّع بنائها أفقيّاً، استناداً إلى حيوات شخصيات ذاتِ عوالمَ متجاورةٍ ومتداخلة، متنافرةٍ ومتفاعلة، غير أنّها، فنِّياً متضامنةٌ من أجل تشكيل صورة روائية متكاملة. وفي أبعاد تلك الصورة، الفكرية والإنسانية، يتجلّى طموحها الجماليُّ الصّعب، خلقُ صورة فنية تعيد تشكيل ما يسميه الروائي والناقد النمساوي (هيرمان بروخ ) بـ»روح العصر.» وواضح أن الطموحين، الفنيَّ والجماليَّ، متلازمان ومتضافران في هذه الرواية.
فأما حديثنا عن طموح الرواية الفني فذلك أن الكاتب قد اختار أن يسلك السبيل الأصعب في بناء عوالم روايته وتشكيلها. لم يعمد إلى استيحاء جزء من سيرته الذاتية، والغوصِ نبشاً في تفاصيلها الحميمة، واستنطاق المكنون في الوعي واللاوعي، وعرض المألوفِ والمسكوت عنه، وذاك نهجُ الكتابة الروائية التي تُدعى اليوم بالتخييل الذاتي، وتلقى رواجاً لدى كتّاب الرواية ومستسهلي الكتابة الروائية، بل إنّه اختار أن يُشكِّل بناء روايته من عوالمِ شخصيات متعددة، تؤلِّف بينها خيوطٌ روائية محبوكة التشكيل، غير أنها عوالمُ متباينة الانتماء الاجتماعيِّ، والصوتِ الإيديولوجي.
إن الأستاذ الجامعيَّ نجيب يتداخل عالمه في الجامعة مع عالم الأستاذة مُنى بشكل أساس، ثم مع عالم الطالبة لبنى؛ منى زميلتُه في التدريس، وشريكتُه في المكتب، يحبّها في صمت وينشغل باله بها في حضورها وفي غيابها. أما لبنى فطالبتُه النبيهة التي يشرف على بحثها، ويصدمه ما تعرّضت له من اعتداء شنيع في آخر الرواية فيخرج مع الغاضبين متظاهراً، ويقف إلى جانبها إلى أن تغادر المستشفى إلى بيت منى. أما في البيت فيتقاسم عالَمَهُ مع عالمِ زوجته فاطمة، ربَّةِ البيت التي قاسمته كفاح السنين، وبناء الأسرة، وتربية الأولاد، وحيث يواجه ضغوطاً من الخارج والداخل لبيع بيته العتيق، مهدِ ذكرياته وحياته. أما لبنى فتشارك في عالم الجامعة طالبة مجدَّةً، ومناضلة من أجل قيم الحرية والعدالة، وعاشقة لعاطف زميلها في الدراسة. لكنها تستفرد بعالم أصولها الفقيرة، عالمِ أسرتها التي تعيش في البادية حياة المعاناة والبؤس، ولبنى أملُ الأسرة الوحيدِ لتحسين وضعها وانتشالها من الحرمان. ويشارك عاطف، الطالب الجامعيُّ، في عالم الجامعة بحبِّه للبنى وانعزاله عن أي نشاط جماعي مهما كانت طبيعته، وفي البيت يشاطر عالم والديه؛ تزوّجا زواج مصلحة، ويتحمّلان حياة مشتركة جافّةً متشنِّجة؛ الأم في أسفارها والأب بحثاً عن مغامرات مع فتيات أصغر منه. وعالم الأب، المحامي الشهير الأستاذ كمال، يمتد إلى مكتبه، حيث الصفقاتُ والمؤامراتُ خلف الستار، بينما يظهر للمجتمع بوجه المناضل الجمعويِّ الملتزمِ، متعدِّدِ الأنشطة والاهتمامات.
فهذه العوالمُ المتداخلة، وقد اقتصرنا على ذكر أهمِّها، يَحبِكُ الكاتب خيوط حكيها، ويضبط إيقاع نموِّها وتطورِها، بشكل أفقيٍّ يعتمد التناوب السرديَّ، إلى أن تصبَّ كل الجداول في مأساة الاعتداء الذي تعرّضت له لبنى على يد عصابة مأجورة لمن أزعجه صوتُ طالبة تحلم بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية. ولعلَّ مشهدَ تجمّع المحتجِّين أمام بوّابة المستشفى يجسد صورة تلاقي تلك العوالم، حيث تحضر فيه جلُّ الشخصيات الرئيسةِ مجتمعةً لأول مرة في مشهد واحد. وعلى الرغم من أن الرواية تنتهي بمأساة لبنى المغتصَبَة، إلا أن بناء الرواية بالشكل الذي أشرنا إليه، يوحي بأن المأساة ليست فرديّة، بل إنها مأساةٌ جماعية، أنتجتها كل تلك العوامل المتداخلة. المأساة صورة كلِّيّةٌ، وكلُّ تلك العوالمِ الروائيةِ أجزاءُ تلك الصورة.
إن تحليل صور الشخصيات الرئيسة في الرواية يكشف أن كل تلك الشخصيات، على الرغم من تباين طبائعها الظاهرِ، واختلافِ أصولها الاجتماعية، وتباعدِ عوالمها الشخصية، فإنها جميعَها تشترك في سمة أساس، تُكيِّفُ مواقفها وأفعالها ومصائرها؛ أقصد علاقتَها الرومانسيةَ بالواقع. كل تلك الشخصيات تعيش خوفاً، إن لم نقل رعباً، في علاقتها بواقعها الخارجي؛ إنها «أجراسُ الخوف» التي تُجلجلُ في ضمائرها وأعماقها. والخوف متأصِّلٌ في ذواتها، متعدِّدُ الأسباب والدوافع، غير أنها تعود جميعُها إلى سبب عميق متمثِّلٍ في غياب انسجامها مع الواقع الخارجي.
فقد يكون سببُ الخوف الغامرِ انعدامَ اليقين؛ فعندما تشعر مُنى بالقلق ويغلبها الغثيانُ وهي تغوص في سديم حياتها، توقِنُ «أنها مجرّدُ هواجسِ ذاتٍ غمرها اللايقين». إنه كذلك خوف متأصِّلٌ لا تُعرف له بداية، فمنى، يقول السارد «تشقُّ طريقها في بحر الخوف الذي يسكنها»، وتقول لبنى لعاطف، وقد ملأ الرعبُ عينيها: «منذ أن وعيتُ بنفسي وأنا خائفة .. والآن أنا خائفة أكثر.
من الواضح أن خوفاً بهذه الصفات ليس خوفاً ذا أصول خارجية ملموسة، إنه خوف ميتافيزيقيٌّ، ملازمٌ لشرط الوجود الإنساني. خوفُ مَنْ وجد نفسه في عالم مجهول لا يناسبه. تقول لبنى لعاطف في مقطع واضح الدلالة: «أنا وأنت شيء آخر يا عاطف. من عالم آخر بريء». فالقطيعة تامّةٌ بين الداخل والخارج. الداخلُ مهد البراءة والحبِّ والقيم الإنسانية المثالية ومنبعها، والخارجُ مصدر التنغيص، والقُبحِ، والأذى؛ فحتى «منغصّاتنا الداخلية أحياناً تكون خلاّقةً [تقول لبنى]؛ تُوَلِّدُ الأفكارَ وترسم القيم وتُشعرنا بإنسانيتنا المفقودة. لكن المنغصاتِ الأخرى تقتلنا في صمت، بل تُبدِّدُ كل الجمال الذي ينبع من الداخل». كل الشخصيات تحنُّ إلى فردوس مفقود اجتُثَّتْ منه ولا سبيل لها إلى استرجاعه في هذا العالم. قد يكون ذلك الفردوسُ طفولةً بريئةً في رحم الأسرة بالنسبة إلى منى ولبنى، أو ذكرياتِ البيت العتيقِ بالنسبة إلى نجيب، أو الطفولةَ السعيدةَ، وهوايةَ فنِّ الرّسم في فترة الشباب، بالنسبة إلى كمال المحامي، الغارقِ في كل ما هو ربحٌ ماديٌّ ولذةٌ حسيّةٌ مهما يكن مصدرها. تخاطب منى نفسَها، وهي تبحث عن معنى لحياتها من جديد، فتقول: «تنهضين فجأة وتتربّعين فوق السرير كأنك طفلة.. طفلةٌ كبُرت فجأة. تبحثين في ماضيكِ عن ابتساماتٍ متفرقة.. تلهثين خلف الأحلام وحيدة ومتردِّدة.. تُقَبِّلين يدَ أمِّكِ العجوز.. تسير في عروقك رعشةٌ قديمة تائهة.. تلوذين بالصمت وتُدركين أنه قدرُكِ العليل».
إنها مأساة آدمَ المطرودِ من الجنّة، والمجتمعُ جحيمُ الدنيا الذي لا سبيل إلى مواجهته، أو المصالحةِ معه، إلا بالعزلة والانكفاءِ على الذات، أو الهروبِ واللجوءِ إلى الطبيعة. تقول لبنى مخاطبة عاطف: «أوقِنُ أننا من عالمين مختلفين جدّاً، لا يجمعنا إلا الحزن، إلا الهروبُ من عالمنا الضيِّقِ والمعقَّد».
في آخر المطاف، يقودنا تحليل العلاقات التي تقيمها الشخصيات الرئيسة مع العالم والواقع، إلى استنتاج وجود مستويين في قراءة الصورة الكلية التي تقدمها الرواية؛ ترصد الرواية في المستوى الأول واقع المجتمع العربي عموماً، والمغربي خصوصاً، الذي قاد إلى هبّة الربيع العربي، بفعل ما يثقله من تناقض وظلم اجتماعي. غير أن المستوى الثاني، الأعمق، يكشف عن صراع أزلي بين المثال والواقع، والحلم والحقيقة، بين الدّاخل والخارج. إنها غربة الروح في الجسد. ويُفصح تحليلُ صورة موت لبنى عن تلك الحقيقة العميقة في الرواية، كأنما تعود إلى الأصل، بينما توحي كلمات «ساحر» و»الناعم» و»تنهّدتْ» أن الموتَ بالنسبة إلى لُبنى لا يعني سوى الخلاص: «رفعت عينيها إلى السماء الرمادية الثقيلة.. ثمة سحب متفرقة ومنتشرة تصنع دوائر متعرجة.. وكان قرص صغير من الشمس الباردة يتسلل باهتاً .. فلم تعد السماء سماء ولا السحب سحباً.. مزيج ساحر من البياض والرماد.. كـأنه لون التراب الناعم..تنهّدتْ بقوة وركّزت عينيها في العدم.. وضعت يدها على قلبها وتمتمت بكلمات متقطعة مكسورة.. سقطت على الأرض الصُّلبة دفعة واحدة».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة