الأخبار العاجلة

تهيؤات !! (ج1)

حسن العاني :

مرة وهي تتأبط ذراعه، ذات ليلة ربيعية، وقد غادرا (مسرح بغداد) مستمتعين بمسرحية ( الوهم ، تجرأ احد الشابين الذي ابهره جمال السيدة المنهمكة في حوار مع زوجها، وذراعها تحيط بخاصرته وقال (ليس من حق السماء بعد الان ان تباهي بقمرها)، وكان بمقدور تلك العبارة الغزلية الساذجة ان تكون أي شيء قد لا تكون الزوجة هي المعنية، غير ان دهشة الشاب وهو يتمعن في استدارة ، كانت كفيلة ان يتلقى لكمة عنيفة طرحته ارضا، شبه مغمى عليه، بينما فر صاحبه هاربا !
ترتجف كانت وهما يستقلان الحوض الخلفي من سيارة الاجرة، ولم يزاولها الخوف كذلك وهي تنكفئ على فراشها، ومع ذلك ابتسمت ( ليس من حق السماء)، كيف ابتكر الملعون هذه العبارة، سالته فيما كان يسترخي على طرف الكنب، وعيناه مشرقتان بالدمع (الى متى يجب ان ادفع الثمن ؟ هل امسخ جمالي بالتيزاب ؟!)، وحيث لم يخرج عن صمته، قالت له وهي تنهض على مهل، متوجهة الى المطبخ (هذه هي النتيجة، عدنا من غير عشاء، ما هي الجريمة التي اقترفها ذلك المسكين، سوى انه ابدى اعجابه ؟!) وضحكت وهي تضربه بدلال على كتفه ( لعله ادرك ان زوجي لا يغازلني )، عندها فقط انفجر باكيا !
في السابعة عشر كانت يوم وافق صاحب المتجر الكبير لبيع المستورد من الحقائب اليدوية والاحذية والعطور والملابس، على قبولها بائعة من دون شروط يفرضها على الاخريات ( العمر وتجربة العمل)، ولم يكن الرجل في الاربعين من العمر فقط ، بل كان صريحا كذلك، حتى انه لم يتردد عن مكاشفتها (اسمعي فاطمة، العمل هنا فن ولباقة وخدمة، نحن نصطاد الزبائن بهذه الوسائل، وانا واثق انك تجهلين هذه المتطلبات، ولكنك تمتلكين مؤهلا نادرا، انت حلوة الى حد الاغراء، وبهذه الطريقة سنستقبل افواجا من الرجال !)، واطلق ضحكة بدت طبيعية، قبل ان يكمل عبارته ( ولكننا سنخسر النساء … مبارك عليك الانظمام الى اسرة المتجر )، ردت عليه وقد غلبها الحياء ( شكرا عمو !). ضرب المنضدة التي امامه بطريقة تمثيلية مازحة (لا تكرري هذه المفردة يا بنت الحلال، فمنذ فتحت باب المكتب ، نضجت في راسي فكرة ظريفة، ان رجلا ارملا وعجوزا مثلي قد وجد الزوجة التي تسعده !). ابتسمت، لكنها لم تغضب، لان الرجل كما بدا لها، كان يتصرف بسلوك طبيعي، وروح منفتح على المزاح، حتى انها تحررت من حرجها، فيما نادى على مشرفة المتجر وقال لها (اصحبي موظفتنا الجديدة الى جناح العطور) !
وهي ترتب مائدة العشاء، اودعت قبلة في جبهته، وتركت شفتيها مزمومتين، وكانها تقبل طفلا عن بعد، واغمضت عينيها، واحست بحرارة قبلته وهو يضمها بين ذراعيه (لقد كبرنا يا ابا مخلد .. يا .. يا رجل يا عجوز، انت في الستين الان وانا اقترب من عامي الاربعين، وولدنا يكمل دراسته في الخارج ، كفى خوفا عليّ، انا ايضا اصبحت عجوزا !) ( مشكلتي .. بل هي مشكلتك في الحقيقة ، ان انوثتك تتفجر، تزدادين حلاوة كلما تقدمت في العمر )، كان ثمة انتشاء قد توقد في روحها، اقترتب منه، احتضنت كفه وقبلت راحة يده (هل تعرف انك لست زوجي فقط، انت وحدك من عوضني عن حرمان الابوين مبكرا، منحني السعادة التي تحلم بها اية امرأة .و..وادرك ان سعادتك الوحيدة هي ان تسعدني، انت يا عجوز اكبر من حب بالنسبة لي، لانك كل هذه الاشياء التي تشعرني ان الحياة تستحق البقاء، مثلما ادرك انك تحبني بجنون، وهذا الجنون هو الذي يؤرقني!) ( وهل عيب ان يبلغ الحب مبلغ الجنون ؟!) ( بل هو امنية، لولا ان حبك خوف لايهدأ، انا لم ارتكب اثما لانني حلوة كما تظن والعيون تلاحقني) (وليس اثمي ولا ذنبي) (وحدك من يتحمل المسؤولية، بدات اسال نفسي : هل تحبني حقا لانني حبيبتك، ام لانني تحولت الى بضاعة في متجرك، تخاف ان يسرقها الاخرون ؟).
– اللعنة على الاخرين، احدهم قال: انهم الجحيم ، ولكنني لا اخاف منهم، اخاف منك، انت من يهمس في الموبايل وحين اقترب تغلقين الجهاز وانت من يختبىء، مع رسائل الفيسبوك كمن يسرق اهله، ولم اسالك يوما او اراقبك ثم انت من …) قاطعته (لا تكثر من تناول اللحم الاحمر ..كفى … نسيت ما قاله الطبيب)، ولبضع لحظات ساء الصمت !
لعل صاحب المتجر كان على حق عندما قال لها (بهذه الطريقة سنستقبل افواجا من الرجال)، فقد كان جناح العطور هو الاكثر مبيعا، حتى انه بعد ستة اشهر نقلها الى جناح اخر، لان حركة الاقبال عليه ضعيفة (انت وجه السعد علينا ، وانا لا أمنحك مكافأة لسواد عينيك، العمل عندي عمل، ولكنك تستحقين ذلك، ملتزمة وامينة، وتؤدين وظيفة ساحر يحل المشكلة ، كلما تلكأ الشغل في أي جناح). هكذا سبقت كلمته المظروف الذي وجدت فيه مبلغا يعادل ضعف راتبها، بعد مضي اقل من سنة على التحاقها بالمتجر، وفي السنة الثالثة تقدم لخطبتها، كانت شقيقتها الكبرى بمنزلة ولي امرها، هي التي اعترضت اول الامر، ولكن فاطمة اوضحت لها : انه انسان نبيل، لم يسىء في كلمة او تصرف، عاملني باحترام، والرجل واضح وصريح معي، هو يحب زوجته ويصفها بالمرأة الطيبة والكريمة، ولكنها توفيت قبل ست سنوات، وظل وفيا لذكراها، لو كنت مكانه – وانا رجل موسر وفي الاربعين من عمري – لما انتظرت كل هذا الزمن ( بينكما عقدان من السنين ) ذلك هو الاعتراض الوحيد لشقيقتها. ردت عليها ( لا اهمية للعمر حين يوفر لي اسباب السعادة … الحب والاحترام والحياة الرغيدة ) !
امضيا شهر العسل في اليونان، كانت لهما سفرة كل عام، زارا القاهرة والاردن وتركيا ولندن وروما وباريس، التقطا مئات الصور، واقتنيا انواع التذكارات والهدايا، وكانت على الدوام تتصل بشقيقيها، لا يمر يوم الا وتثرثر معها عبر الموبايل او الانترنيت، لم تطلب منه أي شيء – كان يتمنى لو فعلت ذلك –
قال لها مرة: (سعادتي الوحيدة حين اشعر انني اقدم لك ما يسعدك): ردت عليه بطريقة الهبت مشاعره، برغم ما تنطوي عليه من لهجة مازحة (يا ابن الحلال .. انت لا تترك لي فرصة، هداياك تنهال عليّ بمناسبة ومن ، وفضلة خيرك امتدت الى شقيقتي واسرتي، فماذا اطلب اكثر من هذا ؟!) ( ما يخطر على بالك !)
(هل انت مجنون بحبي ام بالكرم، ام انك اناني يبحث عن سعادته عبر سعادتي ؟!)، وضحكا وهو يقول لها (انت تهربين من السؤال عن همسات الموبايل وخبايا الفيسبوك ..على اية حال، هذه اخر ليلة اتناول فيها اللحوم الحمر)
– عفية حبيبي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة