اختصار دموي للتاريخ

لا يوجد في العقل المبدع حد فاصل بين التخطيط المسبق لكل حادث في الكون مع وعي فوقي مقدس لا تفلت من بين اصابع يديه الخلاقة أي مصير عظيم أو تافه سواء احتراق كوكب او
سقوط ورقة ذابلة من شجرة، وبين الفوضى الكونية وعبثية الحوادث والمصائر وجريان الأقدار بعماء تام حيث الزمان والمكان توأم المصادفة. ولكن هل ينطبق هذا على تاريخ العراق المعاصر منذ بداية نشوء الدول بعد الحرب العالمية الاولى، عندما بدأ الانسان العراقي يتطلع الى الحضارة الانسانية وراح يسأل نفسه: كيف يكون بشراً ويفك ارتباطه بمحيطه العربي المتخلف وهم يجاهدون في العودة للوراء والحنين الى بول البعير. هنا سادت ثنائية (رجعي/ تقدمي) الثقافية حيث الانقسام الى عبيد يقدسون الماضي ويجرمون كل من يلبس ويفكر ويقلد انسان الحضارة، والى احرار يريدون إنقاذ بلادهم من مستنقع الماضي التليد والاندماج مع العالم المتحضر بكل شيء من الملابس الى وسائل النقل الى التفكير وبناء اخلاق جديدة منقطعة عن الموروث الدموي، إخلاق يكون فيها الشرف ليس في غشاء البكارة وانما في الصدق والكرامة والاعتماد على النفس فالعمل وحده المقدس وبلغتنا الحالية يكون دين التقدميين هو دين الانسان حين يضع الله روحه فيه ومصير الكون بين يديه، الانسان تجربة الله لبناء جنة في الارض وتسامي روحه ليصل باخلاقه ونبله الى مرتبة الالوهية، لكن الرجعيين هبوا مسلتين سيوف الماضي وهم يكفرونهم ويعدونهم ملحدين كفاراً يريدون إفساد المجتمع المحافظ، واستعملوا الدين سلاح ترهيب وتهديد لمحاربة التقدميين.
بقيت هذه المعارك بين كر وفر عشرات السنين حتى جاء انقلاب ثمانية شباط الاسود ليجهز بقوة الدين والقومية على العقل التقدمي الذي يقدس الانسان وأرجع العراق الى حظيرة المستنقع العربي الى شرب البول بدل كوكتيل الحضارة. بقي هناك أمل ضئيل كنبض طير جريح، هو أمل ان يعود الانسان العراقي قوياً الى البيئة البشرية لكن انقلاب سبعطعش تموز الدامس ومجيء البعث واحتلال العراق باللون الزيتوني فوق وتحت الجلد، هنا انتهى الامل وسقط الانسان في المستنقع العربي عندما صار العراق مركز إشعاع قومي للتخلف والهمجية حيث الاعدامات في باب الشرقي والساحات العامة وامتلاء السجون وهجرت ملايين الشباب للخارج. لذلك لم ياتِ داعش من فراغ ومن دون رحم وبيئة فالحرس القومي بذرة داعش والرفاق البعثيين براعم داعش حتى التقى بالمذهب الوهابي فوجد الفارس العربي مطيته الدينية. بعدها انقلب الشرق الاوسط كله الى عبيد للماضي وتقديس العنف حيث بدأت من جديد شريعة الذبح والسبي والغنائم والجزية، واستيقظت الخلايا العقائدية النائمة فاشتعلت المنطقة لأن داعش لا يستطيع العيش من دون عدو، وهذا العدو لا يستطيع العيش من دون داعش . وها نحن نموت يومياً بين سيوف العدوين.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة