تعددت الأسباب والإرهاب واحد

سلام مكي *

الكل يدعي انه ضد الارهاب: أفراد، مؤسسات، دول، منظمات دولية واقليمية، ولكن: لا احد من كل هؤلاء يحاربه! لا احد يتطرق الى الاسباب الحقيقية للإرهاب، لا احد يتحدث عن منابع الارهاب الفكرية والاقتصادية ومصادر تمويله. هناك فقط: تصريحات لمسؤولين في الدول التي تدعي انها تحارب الارهاب، تحاول تبرئة نفسها منه، مع التأكيد على ان الغريم التاريخي هو المسؤول الاول والاخير عن تفشي مرض الارهاب داخل المجتمعات العربية. ومن ضمن الاسباب التي أسهمت في انتشار هذا المرض، هو غياب التعريف الرسمي للإرهاب وغياب النصوص القانونية الدولية التي تلزم الدول بذلك التعريف، وبالأحرى: غياب الارادة السياسية للدول في تبنى فكر او سلوك محايد يحارب الارهاب بناءً على اسس قانونية موضوعية وليس على اسس آخر. المتابع للشأن العربي والاقليمي، يلاقي حيرة كبيرة لدى محاولته الوصول الى نتيجة واضحة حول التنظيمات الارهابية. من هي؟ وما هو الفرق بينها وبين التنظيمات التي تمارس العنف المسلح لأسباب تتعلق بالتحرر من الاستعمار والاحتلال، على اعتبار ان الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب والاتفاقية الخليجية والوثائق العربية التي قامت النخب العربية بصياغة بنودها، فرقت بين الارهاب وبين المقاومة. هذه المفردة الأخيرة، تحولت الى مبرر قوي لحكومات بعض الدول العربية في ممارسة الانتقائية في تصنيف الجماعات المسلحة. فصنفت التنظيمات الارهابية وغير الارهابية اعتماداً على المزاج السياسي السائد فيها من دون النظر الى نصوص القانون او الاتفاقيات التي الزمت نفسها بالعمل بموجبها. ولعل الاساس المذهبي هو الابرز في التفرقة بين الجماعات المسلحة، فالجماعة التي تنتمي الى الغالبية والتي توافق المزاج العربي العام، تعد منظمة تحررية تمارس العنف لأجل تحقيق النصر على الاحتلال وليس ارهابية. ومن تختلف مع رأي الاغلبية فهي ارهابية حتى حاربت اسرائيل او قضت على اعداء الامة التاريخيين! وهذا ما يتوضح لنا جليا في موقف الدول العربية وخصوصا الخليجية من الاحداث التي تشهدها بعض الدول العربية مثل سوريا واليمن والبحرين! في البحرين مثلا: يصرح وزير خارجيتها: ان دولته تحارب الارهاب! وانه بصدد الشكوى ضد ايران لأنها تدعم الحركات الارهابية في بلاده! وهذا الكلام ما هو الا صدى لما تؤمن به الشقيقة الأكبر! ولو جئنا الى الحقيقة لوجدنا: ان تلك الجماعات التي سميت ارهابية، لم تحمل السلاح، ولم تستعمل العنف ابداً. وبرغم ذلك اصبحت ارهابية بمباركة المجتمع الدولي، الذي عادة ما يرضخ للفكر الذي تؤمن به مملكة البترول! بالنسبة لليمن: فقد شكل تحالف عربي لمحاربة الحوثيين الذين انقلبوا على الشرعية في ذلك البلد. وهذا يعني: ان الدول العربية مستعدة لمحاربة أي جهة تنقلب على الشرعية في أي دولة عربية. ما حدث في سوريا عكس هذا تماماً، اذ تدعم الدول الخليجية والعربية القوات التي تريد الانقلاب على الشرعية! وتسخر لهذا الامر كل الامكانيات، المادية والاعلامية، وخطباء المساجد الذين لم يدخروا وقتاً في تكفير طائفة سورية واهدار دمهم، وعدهم اشد خطراً على المسلمين من اليهود! كل هذا التناقض، سببه واحد: هو المذهبية والطائفية التي تكاد ان تكون: القانون الوحيد الذي اتفق العرب على ان يكون مرجعهم! ومن الاسباب الأخرى لانتشار الارهاب هو تحميل المخالف فكرياً وسياسياً المسؤولية الكاملة، وهذا ما نلاحظه في تصريحات المسؤولين في العراق والدول العربية. فأحد مسؤولي الانبار، يعتقد ان تمدد داعش في محافظته يعود الى الممارسات السلبية التي تقوم بها بعض القطعات العسكرية العراقية! نعم، هناك ممارسات فردية من بعض الجنود والضباط تشكل انتهاكات لحقوق الانسان، لكن هذا لا يعني ان المؤسسة العسكرية كلها سيئة. كما ان تلك الافعال ليست مبرراً لأن يقوم مواطنو تلك المناطق باستبدال داعش بالجيش، او مساعدتهم في احتلال المزيد من المدن العراقية. هناك الكثير من الوسائل القانونية والثورية التي يمكن الركون اليها في حال التعرض لانتهاكات من قبل منتسبي الجيش والقوات الامنية، يجب استعمالها اولا، ومع ذلك فليس من حق أي احد مهما تعرض الى ظلم واضطهاد ان يرحب بأبشع واشرس قوة ارهابية وحشية عرفها التاريخ الحديث، والتي تريد قتل العراقيين واحتلال البلد ليكون امارة تابعة لأفغانستان او امراء الحرب والبترول! مسؤول سعودي يقول: ان داعش حليفة للنظام في سوريا! يعني ان داعش عدو للسعودية. فهل قامت هذه الدولة بمحاربة داعش؟ هل تبرأت من الفكر الذي تحمله داعش؟ جميع الدول العربية والمؤسسات الدينية، ترى ان داعش جهة خارجة على الاسلام، ما عدا الازهر الذي لم يكفر داعش لأنه يرفض تكفير أي جهة تنطق بالشهادتين! لماذا لا تعترف السعودية وهي العدوة الاولى لنظام سوريا وداعش بأن فكر داعش ضال مثلما هو فكر بشار الاسد؟ هم يدعون على النصيرية ليل نهار عبر المساجد وخطب الجمع، لكنهم لم يدعوا ولا مرة واحد ضد الفكر الذي تنتمي اليه داعش وتنطلق منه في عمليات القتل والذبح بحق الابرياء. الا يعني هذا ضمناً وحتى صراحة: ان تلك الدول تؤيد داعش؟ الا يعني ان داعش هو وليدة للفكر السائد؟ ومهما يكن: فان الارهاب مرض يجب معالجته، بغض النظر عن أي جهة تمارسه او تدعمه، والا فإنه سيحول الى آفة اكبر ويحرق كل من يمر بطريقه حتى الدول التي تدعمه.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة