سور بغداد الشرقية.. هلال يحتضن الشمس

من تراثنا التاريخي

إعداد: ماجد الامارة

برغم تلاطم الأمواج وطمع الحاسدين ظل العاشق صامداً لم يستسلم عندما اجبره الجميع على الرحيل.. لم يرفع الراية البيضاء حتى بعد تقطيعه الى اشلاء… ظل شامخًا شموخ حبيبته .. رافضاً السقوط والبعد عن طيبها ومع كثرة الاهوال .. ازداد عناده تمسكاً بها. .واصر على البقاء جاراً لدجلتها كأنه اوثق لبناته بترابها وفي النهاية رحلوا هم وبقي شاخصاً متباهياً بقوته في صد الريح العاتية: فاثبت ذلك العاشق انه هلال لا يفارق الشمس عندما اعلن انه لن يفارق حبيبته مهما حصل .. لأنه وفي بعهده اكثر من 800 عام مضت فاذا عرفنا ان العاشق هو ما بقي من سور المحروسة فالحبيبة بالتأكيد هي بغدادنا.
ولو فتحنا صفحة التاريخ لوجدنا ان هذا السور (سور بغداد الشرقية) أنشئ نتيجة التوسع الذي أصاب الجانب الشرقي (الرصافة) من بغداد في زمن الخلافة العباسية.. وبما انه كان مقراً لهم اوجب احاطته بسور عظيم وخندق لحمايته من الاخطار التي قد تهدده.. وقد شرع الخليفة المستظهر بالله (488هـ/ 1095م) ببنائه ولم ينجز منه الا جزءاً يسيراً فاكمله الخليفة المسترشد بالله (512هـ/1119م) وحديثنا هنا يخص أول مداخل هذا السور وهو .. باب السلطان.. وفي الشمال وما بقي منه من آثار حتى الآن فكتب التاريخ تقول انه سمي بهذا الاسم نسبة الى السلطان محمد طغر لبك السلجوقي الذي دخل بغداد من هذه البقعة.. وسمي أيضاً بـ(الباب المعظم) لأنه تبتدئ به الجادة المؤدية الى مشهد الامام الأعظم ابي حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفي .. يبلغ هذا السور من الطول 9688م وعرضه 5،50 م وعمل الخندق 5،50م وللسور 117 برجًا وهو عبارة عن جدار سميك مبني بالاجر (الطابوق) والجص يحيط بالمدينة على شكل قوس كبير وقد تعرض هذا السور الى الهدم والانهيار اللذين كانا سبباً في غياب الكثير من المعالم الحضارية وضياعها ولم يبق منها سوى جزء ظل واضحاً حتى الان وهو اخر ما تبقى من السور .. ولو رجعنا الى السنة (544هـ / 1159م) لوجدنا ان هذا السر قد تأثر بحدوث فيضان في نهر دجلة في تلك السنة ومما أدى الى تثلمه وقد حاول اعادته الخليفة المقتفي بالله وجده الناصر لدين الله. وعندما عجزوا عن سد تلك الفتحات اتسعت فتهدم معظم محلات بغداد بعد ذلك هدم ما بقي منه سنة 1869م بأمر والي بغداد العثماني مدحت باشا.
وكان الغرض هو الإفادة من أجره لبناء ومدرسة الصنائع قرب القصر العباسي ولكن باب السلطان «باب المعظم بقي شاخصاً حتى دخول الإنكليز الذين نسفوا هذا الباب ولم يبق منه سوى هذا الجزء الذي لم يهدمه الفيضان ,إضافة الى ان مدحت باشا هدم السور ولكنه لم يهدم هذا الجزء واعتقد بانه اكتفى من الاجر فلم يرد تهديم المتبقي منه وبرغم مرور مئات السنين اي اكثر من(800) سنة على بنائه بقي هذا الجزء محافظاً على نفسه وذلك لانه كان مقر للحكم في العهد العثماني أي يقع ضمن منطقة السراي والقشلة حيث كان مركز الحكم وعندما قاموا بصيانة «السراي والقشلة» في الوقت الحاضر كان هذا الجزء أيضًا من الأجزاء التي شملتها الصيانة صحيح ليس كثيرا لان موقعه لا يسمح بصيانته بنحو كامل, خاصة انه محصور بين قاعة الشعب وجامع الازبك وأن موقعه هذا يحميه كثيراً ويجعله محافظاً على نفسه من التأثير البشري والتأثير المناخي وهو باق ويمكن مشاهدته بارزاً في ذلك الموقع.. فلذا نهيب الى من يهمه الامر ان سور بغداد مهمش بسبب اختفاءه بعدد السيطرات الحكومية مما يصعب على الزائرين مشاهدته الاستمتاع بتراثنا التأريخي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة