النوم في العسل!

قيل إن “النوم سلطان.. لا أمر عليه”.. أما عمر الخيام فيقول في رباعياته الشهيرة: “فما أطال النوم عمراً …. ولا قصّر في الأعمار طول السهر”، وقيل أيضاً:”ثلاث يتحملن مشاق الحياة.. الأمل والنوم والضحك”!
يعدّ النوم من الوظائف الأساسية عند الإنسان والكائنات الحية الأخرى، واختلف العلماء والباحثون حول التعريف التقليدي للنوم.. إذ يعتقد البعض منهم أنه حالة من الوعي وليس حالةً فسيولوجية، ويعتقد البعض الآخر أن النوم لا يكون فاعلاً إلا عندما يتزامن مع عمليات وآليات بيولوجية معينة، فبحسب أحدث الأبحاث العلميّة أن إحدى مهام النوم هي حماية الذاكرة فالنوم يساعد الدماغ على تخزين كلّ ما يعتقد المرء أنه نسيه خلال النهار!
المعروف عن مجتمعاتنا عشقها واحترامها وتقديسها للنوم.. لأن الحرمان من النوم قد يؤدي الى تأثيرات صحية وخيمة.. ولهذا لجأ البعض الى التزوّد بجرعات إضافية أكثر من الساعات الطبيعية المقررة، فما عاد المكان يشكل عائقاً أو مشكلة أمام البعض لممارسة هواية النوم.. فهناك من يمتلك القابلية على أن “ينام” وقوفاً أو جلوساً أو مشياً أو ركضاً أو وهو يقفز أو وهو يطير أو وهو يتحدث أو يحاور أو يستمع، بل حتى وهو يقود سيارة أو طائرة أو قطاراً أو دولة او فريقا ً او حزباً أو جيشاً أو.. وطناً !
من المفارقات الغريبة والمضحكة أن “النعاس” يداهم الكثير من شرائح المجتمع أثناء الندوات والمحاضرات والاجتماعات والاحتفالات وفي قاعات الامتحانات أو أثناء التصويت والمناقشات في البرلمان أو..عند الاستماع الى الخُطب التاريخية !
هناك شريحة أخرى لا تعرف طعماً أو متعة للنوم إلا أثناء ممارستها الوظيفة الحكومية.. فبمجرد أن تطأ أقدامها بوابة الشركة أو المصنع أو المدرسة أو الوزارة.. نجد أن “سلطان النوم” يتسلط على أجفانها وعقولها ويجعلها تدخل في سبات عميق وطويل يمتد الى نهاية الدوام الرسمي!
هناك من يستسلم الى النوم.. أثناء مشاهدته أو حضوره عرضاً فنياً أو موسيقياً أو مسرحياً.. وهنا استذكر ما يقوله الفيلسوف الساخر برناردشو: “النوم ضرب من النقد.. وخصوصاً في المسرح!”
بحسب التصنيف العالمي للنوم.. فقد عُدَّ العراقيون من عشاق “نومة الظهر” وهي الفترة التي تعقب تناول وجبة الغذاء وخصوصاً. تشريب الباميا أو اللحم أو الباجة أو الباقلاء.. ولهذا تحفل أدبياتنا وتراثنا الشعبي بالكثير من الطرائف والأمثال عن النوم.. منها “نايم المدلول حلوة نومته” و”نايم ورجليه بالشمس” و”نومة أهل الكهف” و”نومة أهل القبور” و”نايم بالعسل” و “للنايمين للظهاري”!
سُئل أحدهم.. ماذا تفعل بعد استيقاظك من النوم.. ؟ أجابهم: أرتاح قليلاً!
يروي والد أحد الزملاء أنه كان قد أُجبر قبل عقود من الزمن على حضور ندوة “جماهرية” في قاعة كبيرة تغص بالطبقة الكادحة! لكن من سوء حظ صاحبنا أنها كانت في ظهيرة أحد أيام شهر تموز. جلست في الصفوف الخلفية .. والكلام لوالد صديقنا.. وبعد فترة وجيزة أحسست أن “سلطان النوم” يحوم حولي.. وتمكّن منّي بدون مقاومة تذكر.. وإذا بالجالس بجواري يوقظني بصوت خافت قائلا: “أكعد يمعوّد.. مو شخيرك واصل للسما.. متخاف.. تره يودوك لأبو زعبل!
يقول .. اعتذرت منه ووعدته أني سأكون آذاناً صاغية لما يقوله “الرفيق” في الندوة.. لكن الحالة تكررت أكثر من مرة، وبعد جولات من الكر والفر مع صاحبي.. وبعد غفوة ليست بالقصيرة.. استيقضت على صوت “شخير”.. كأنه صوت محرك قطار بخاري قديم .. كاد يمزق أذني.. وإذا بي أجد صاحبي الذي كان يوقظني.. يغط في نوم عميق.. ويشارك مع زملائه في عزف سمفونية “الشخير”!

ضوء
يبدوأن هذه الامة .. أدمنت على مقاومة العدو الخارجي ..بالشخيررررر!
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة