أزمة تقسيم المياه بين الدول على حوضي دجلة والفرات

أثرها في البيئة والتنمية الزراعية

إعداد – هاني زاير :

تعد المياه من النعم العظيمة التي وهبها الله تعالى للوجود وللبشر بصورة خاصة ويعد مصدر الحياة لكل المخلوقات، تتراوح نسب الماء في الكائنات الحية تبعًا لتركيب الجسم، اذ يدخل بنسب تصل الى اكثر من 95 % ويتكون كل كائن حي في معظمه من الماء، فجسم الإنسان مؤلف بنسبة 60-65 % من الماء، ودودة الأرض تتألف من 80 % من الماء، أما ثمرة الطماطم والرقي ففيها 95 % من الماء، وفي ثمار الجوز واللوز والكاجو حيث يقل بها الماء ليصل الي 2 – 5 %.
والماء ضروري لاستدامة الحياة. وتعد الموارد المائية من الركائز الاساسية واحد أهم المتطلبات لإدامة الحياة الإنسانية ولا يمكن تواصل الحياة من دون المياه كما تلعب المياه دوراً رئيسًا بعمليات التنمية ومنها التنمية الزراعية وبها يتحقق الأمن الغذائي الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن المائي، وعليه فان الاهتمام بالموارد المائية يعد أمراً حيوياً لتغطية الاحتياجات الإنسانية من مياه الشرب والزراعة والصناعة والسياحة.
مصادر المياه في العراق
يعتمد العراق على مصادر كثيرة للمياه منها ما هو طبيعي ومنها صناعي.
المصدر الطبيعي ويشمل الانهار والبحيرات التي تتكون من الامطار والثلوج والتي تشكل الحقل الاعظم بتوفير الاحتياجات المائية، ويتكون من الانهار، اما المصدر الصناعي فهو البحيرات والسدود والاحواض الكبيرة والتي تعمل بنظام حصاد المياه وكما معمول بها في دول الشام كسوريا والاردن وفلسطين.

الانهار
مصادر مياه العراق تتكون من نهري دجلة والفرات ويعدان مصدرين رئيسين للموارد المائية في العراق، وهما اساس نشوء الحضارة والحياة في البلاد.
لقد مارس العراقيون القدامى الزراعة بواسطة الري بشتى الطرق سواء كان ذلك سيحًا من الانهار والجداول ام بالواسطة، وشقوا الجداول وبنوا السدود والخزانات والنواظم على الانهار لسقي مزروعاتهم.
إذ بدأت حضارات ما بين النهرين بتنمية الانهار منذ (4000 سنة ق.م).
نهر الفرات: ينبع رافدا نهر الفرات (فرات صو ومراد صو) من المرتفعات الجبلية في شرق تركيا ليكونا نهر الفرات عند مدينة (كيبان) لمسافة (1176كم) داخل الحدود التركية ويتجه الى سوريا لمسافة 600كم ويصب فيه رافدان من الجانب الايسر هما البليخ والخابور وعند مدينة القائم يدخل النهر الاراضي العراقية لمسافة (1160كم) خلال الهضبة الغربية الى ان يدخل السهل الرسوبي في مدينة الرمادي.
حين يبلغ اجمال طول النهر (2940كم وان معدل الجريان في هذا النهر بحدود (31-32) مليار م3 ويبلغ معدل الجريان السنوي الطبيعي له عند الحدود العراقية السورية هو (27،40) مليار م3.
نهر دجلة: ينبع نهر دجلة الذي يبلغ طوله 1900كم من المرتفعات الواقعة في جنوب شرقي تركيا ويتكون النهر من عدة ينابيع وينحدر من المرتفعات المحيطة ببحيرة (كولجك) ويسمى دجلة الغربي ومنبع شرقي يتكون من عدة روافد تنحدر من المرتفعات الجنوبية المحيطة ببحيرة وان اسمه (بوتان صو) والاخر (بطمان صو) ومن التقاء هذين النهرين يتكون نهر دجلة فينحدر نحو الجنوب الشرقي في الاراضي التركية لمسافة (485 كم) وتكون نسبة 18 % من طواله ويدخل الاراضي العراقية عند قرية فيشخابور.
وبسبب هذه التفرعات الكثيرة التي تأخذ مياهها منه وتصب في الاهوار في المنطقة يصبح النهر ضيقا قليل المياه، وجنوب مدينة العزير يعود النهر فيتسع ويختلف عن نهر الفرات بكثرة روافده التي تصب فيه ومن اشهرها:
1-الخابور، الزاب الكبير، الزاب الصغير، العظيم، ديالى والذي ينبع من الاراضي الايرانية والعراقية ويجتاز الحدود نحو الجنوب الى ان يصب في دجلة جنوب مدينة بغداد قرب قضاء المدائن (سلمان باك) وبالتحديد جنوب منطقة الزعفرانية التي انشئت مزرعة باسمها منذ اربعينيات القرن الماضي من جهة الشمال لنهر ديالى وهذا النهر اصبح مصدرا للتلوث لكثرة المعامل والمصانع والمخلفات الصحية مما قلل الافادة منه لسقي النباتات والاحياء المائية.
ولهذه الانهار اهمية بالغة فلولا هذه الانهار لاصبح العراق صحراء قاحلة وبفضلها اصبح بلدنا زراعيًا منذ قرون طويلة، وما زالت الزراعة تسهم بنصيب كبير في الانتاج القومي وتكوين مصادر الطاقة الكهربائية عند السدود، ويعيش على ضفافها اعداد كبيرة من السكان الذين يمتهنون الزراعة والرعي حيث العشب والماء وكثرة الثروة السمكية التي هي الغذاء الرئيس لكل الساكنين في القرى الفلاحية.

ازمة المياه
نتجت أزمة المياه في العراق من خلال أسباب خارجية وأخرى داخلية، وقد تمثلت الأسباب الخارجية بـ(التغير المناخي والاحتباس الحراري ادى الى انخفاض الامطار، منابع نهري دجلة والفرات ليست من العراق وانما من دول مجاورة للعراق، التوتر السياسي وغياب القانون الدولي) أما الأسباب الداخلية فقد تمثلت بـ(قلة السدود والبحيرات الخازنة للمياه على الانهر السطحية في العراق، عدم كري النباتات من ضفاف الانهار، وعدم تبطين السواقي، غياب او ضعف الإرشاد المائي، عدم استعمال طرائق الري الحديثة، انخفاض كلفة المياه، زيادة عدد السكان). وبناءً على ما تقدم نجد ان الحل يبدأ من داخل العراق وذلك من خلال بناء السدود والبحيرات الخازنة للمياه وعدم ترك المياه تذهب الى البحر، فضلا عن كري الأنهار بصورة مستمرة من اجل منع نمو النباتات التي تستهلك المياه بشرابها وتبطين السواقي من اجل تقليل الهدر المائي الناتج عن عملية النتح ومنع نمو الادغال التي تمنع انسيابية المياه.
وعلى اساس ذلك يكون لنا موقف قوي في المحافل الدولية عند عرض قضيتنا، اذ سيرى المحكمون بأننا نعمل لتحسين الري والزراعة وفي الوقت نفسه نريد حقوقنا المائية.
ان العوامل الرئيسة لشحة المياه تعود الى اسباب خارجية دولية وداخلية واسباب طبيعية.

الأسباب الخارجية
التغيير المناخي والاحتباس الحراري:
أدى التغيير المناخي والاحتباس الحراري إلى ظاهرة الجفاف وقلة سقوط الإمطار، اذ يقع العراق في منطقة جافة الى شبه جافة، المعدل السنوي للامطار لا يزيد على 200 ملم (1) وبالتالي ادى ذلك الى تدنٍ واضح في الإيرادات المائية لنهري دجلة والفرات، لان الإمطار تعد المغذي الرئيس لهذين النهرين.

الموقع الجغرافي
إن الموقع الجغرافي لنهري دجلة والفرات يضع العراق أمام حقيقة واحدة وهي أن منابع نهري دجلة والفرات ليست من العراق وإنما من دول مجاوره للعراق وهي تركيا وإيران مما يجعل هاتين الدولتين بحكم موقعهما الجغرافي تسيطران على الموارد المائية للعراق والتحكم بها.

التوتر السياسي
وغياب القانون الدولي
أصبح الماء سلعة اقتصادية توظف لخدمة السياسة وأصبح من يملك مصادر المياه يمتلك مصادر التأثير في ظل غياب المنظمات والتشريعات والمعاهدات الدولية وبسبب ضعف إلزامية القانون الدولي المنظم للحصص المائية بين الدول المتشاطئة وان ضرر تركيا على العراق اكثر من ضرر ايران وسوريا فتركيا لديها مشاريع، حيث يتألف مشروع الـ(غاب) من 22 سداً و19 محطة للطاقة الكهربائية ومشروعات أخرى متنوعة في قطاعات الزراعة والصناعة والمواصلات والري والاتصالات، والغاب من حيث المساحة هو أضخم مشروع في العالم، ويشمل ثماني محافظات وعند إتمامه تقارب مساحة الزراعة المروية من خلاله 8.5 ملايين هكتار أي نحو 19% من مساحة الأراضي المروية في تركيا، ومن أهم سدود مشروع الغاب التي تعدت العشرين سدا أتاتورك وقد دشن هذا السد في تموز/ يوليو 1992 ويقع السد على نهر الفرات.
وتشعر تركيا أن ما ستمتلكه من مياه سيوفر لها ثروة وطنية تعادل ما تمتلكه دول المنطقة من النفط، وهذا ما جاء على لسان رئيس تركيا السابق سليمان ديميرل في حفل افتتاح سد اتاتورك اذ قال “إن مياه الفرات ودجلة تركية، ومصادر هذه المياه هي موارد تركية، كما أن آبار النفط تعود ملكيتها إلى العراق وسورية، ونحن لا نقول لسورية والعراق إننا نشاركهما مواردهما النفطية، ولا يحق لهما القول إنهما تشاركانا مواردنا المائية، إنها مسألة سيادة.
اذ يستطيع سد أورفة بعد إتمامه أن يحبس مياه دجلة والفرات لمدة 600 يوم، مما يعني تجفيف مياه النهرين تماما وقد عمل العراق على عقد معاهدات واتفاقيات عديدة مع الدول المتشاطئة إلا ان عدم تفعيل هذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على وفق المواثيق والأعراف الدولية أدى إلى عدم العمل بها وفشلها وتعطيلها ومن أهم هذه المعاهدات والاتفاقيات هي بين الدول المتشاطئة العراق وتركيا، والعراق وايران، والعراق وسوريا، وهذه الاتفاقيات لم تشكل حلا مهما للدول المتشاطئة لأسباب سياسية واقتصادية وعدم التزام دول المنبع بالحصص المتفق عليها وبسبب النزاعات الحالية العسكرية واسباب فنية نتيجة هدر العراق لكثير من المياه الى الخليج لعدم العلمية للقائمين ولانعدام التخطيط والتي اثرت في قرار دول المصب، فمثلاً الى الان لم تلتزم تركيا تجاه العراق بحسب الاتفاقية معاهدة الصلح بين تركيا والحلفاء في لوزان 24/ تموز 1923 نصت في مادتها رقم 109 على ضرورة الحفاظ على الحقوق المكتسبة لسوريا والعراق في مياه نهري دجلة والفرات. واتفاقية 1971 وبروتوكول بين العراق وتركيا عام 1980 انضمت اليه سوريا عام 1983 نص على انشاء لجنة فنية مشتركة للمياه الاقليمية التركية والسورية والعراقية مهمتها دراسة الشؤون المتعلقة بالمياه الاقليمية وخصوصا حوضي دجلة والفرات.
• اتفاق سوري عراقي موقت عقد في بغداد بتاريخ 17/4/1989 ينص على تقاسم الوارد من مياه نهر الفرات على الحدود السورية والتركية بنسبة 58 ٪ للعراق و42 ٪ لسوريا.
اتفاق نصب محطة ضخ سورية على نهر دجلة عام 2002 (اعتمد الاتفاق على اتفاقية الامم المتحدة لعام 1997 كمرجعية قانونية) ينص على نصب سوريا لمحطة ضخ على نهر دجلة في اسفل نهر الخابور لسحب كمية مياه قدرها 1،250 مليار م3 سنويا، وان ذلك سيكون على الجانب الايمن لنهر دجلة للحدود الدولية المشتركة بين سوريا وتركيا كما ان الضرورة تقتضي تعويض تلك الكمية الى العراق من خلال زيادة الحصة المائية في نهر الفرات.
اتفاقية الجزائر لعام 1975: توصل العراق وايران عام 1975 الى اتفاق نص على اجراء تخطيط شامل للحدود البرية والنهرية الملاحية (شط العرب) وتنظيم الافادة من الانهار الحدودية المشتركة بين البلدين، لكن تم إلغاء هذه الاتفاقية من قبل العراق على اثر اندلاع الحرب بين البلدين عام 1980.
من خلال المعاهدات والاتفاقات السابقة تولدت لدى المتخصصين في الموارد المائية في العراق الخبرة الكافية بأن الأسباب الخارجية تكمن صعوبة التوصل فيها إلى الحلول لتجاوز أزمة المياه، كما أنها أخذت من العراقيين الوقت الطويل والكافي ولم تجن نفعًا، والدليل على ذلك أن الواردات المائية في العراق تنخفض سنة بعد أخرى حتى وصلت إلى (30) مليار متر مكعب عام 2011، أو بكلمات أخرى إن الواردات المائية في العراق انخفضت بنسبة (59 %) من عام 1980 إلى عام 2011.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة