شهادة حية من لهيب المعركة

من أوراق انتفاضة الأهوار آيار 1968
الحلقة الثامنة
لقد دأبت دار الغد على نشر الفكر الوطني التقدمي، وكانت دوما جزءاً من الحركة الثورية التي كانت تعطي زخمها في انحاء البلاد كافة، وانتفاضة الأهوار عام 1968 والتي قادها الشهيد خالد احمد زكي كانت بداية لحركة ثورية كان يمكن لها ان تغير وجه العراق والحكم الرجعي الذي يسيطر عليه، ولكن تكالب القوى الرجعية والمعادية ضدها، ادت الى سقوط جبار (خالد احمد زكي) وشلش (محسن حواس)، وكاظم (منعثر سوادي)، شهداء ابرار للشعب العراقي، والحركة الشيوعية العراقية…. واليوم يحكي لنا عقيل حبش، احد الرفاق المشاركين الاحياء في تلك الانتفاضة قراءاته ليوميات الانتفاضة حتى القاء القبض عليه والحكم عليه بالإعدام مع رفاقه الآخرين.. وهي شهادة حية لأولئك الشباب الذي وهبوا حياتهم للوطن ولمسيرته الثورية بقيادة الحزب الشيوعي العراقي/ القيادة المركزية، والتي استمرت في مقاومة ومقارعة حكم البعث عند مجيئه ثانية في تموز/1968، ووقفت بإصرار مستمر في معارضته، ومعارضة الامبريالية الاميركية التي اتت به الى الحكم وقدمت الشهداء تلو الشهداء لهذا الغاية.

عقيل حبش:

في اليوم التالي وصل الينا الرفيق هادي عائدا من المستشفى وكانت يده اليمنى قد بترت فاخبرنا بوصوله الديوانية مع الرفيق لفته قبل ثلاثة ايام بعد ان اقضى في المستشفى مدة تسعة ايام. ومثلنا خلع دشداشته الا انه لم يكن لديه ملابس داخلية حتى وان كانت لديه ملابس داخلية فانة لم يتمكن من ارتدائها بسبب الحروق التي ملات جسمه وكان اثرها عميقاً وكنا نطلق عليه اسم السفور: لعد ارتدائه الملابس البقية بخصوص لفتة عبد الأمير عبدالواحد يونس الركابي وكيف انه تعاون مع الهيئة التحقيقية. في ذلك اليوم طالبنا بمقابلة احد المسؤولين العسكريين في الموقع. وللكن للأسف لم يقابلنا احد ، الا في اليوم الثاني وعند المقابلة شرحنا له ظروف حياتنا الصعبة في هذه الغرفة وطالبنا بنقلنا الى مكان آخر تتوفر فيه ببعض مستلزمات الحياة. رفض طلبنا. فطرحنا عليه رفع القيود من ايدينا، لكنه رفض ذلك ايضاً. طلبنا منه فتح النافذة الخلفية للغرفة فرفض ايضاً. وعند ذهابه اخبرناه باننا بلا طعام منذ يومين فامر مرافقه بإعطائنا الطعام يومياً. في اليوم الثاني حصلنا على ارزاق كاملة كالجنود لكل واحد ثلاث صمونات في اليوم وحينذاك علمنا من لب الصمون بيادق لعبة الشطرنج للقضاء الوقت الطويل من النهار. كنا نقضي اكثر الوقت في الغناء والمطاردة اشعرية وبعض القصص التي سبق لنا قراءتها سميت هذه الغرفة من قبلنا بالغرفة السوداء اذ كنا نمسح ايدينا بعد تناول الطعام في الحيطان لعدم وجود الماء للغسل فأصبحت ملطخة بالسواد.
جاء يوم انعقاد محمة الطوارئ فابلغونا بالحضور ومثلنا في الجلسة الاولى لهذا المحكمة التي تشكلت من كبار الضباط الذين لا يعرفون ابسط اصول المحاكمات. وعند اليوم الثاني حضرنا الجلسة الثانية وفي هذه الجلسة اتهمنا رئيس المحكمة باننا عملاء لإسرائيل. انه المجرم العميل كاظم السعدي من الحلة. قلت له: نحن شيوعيون من الد اعداء الصهيونية والاستعمار والرجعية. قال ان عملنا الذي قمنا به في الهور هو عمل لخدمة الاستعمار واسرائيل وكان يرد دائما: اننا نحاكمكم لا لكونكم شيوعين بل لأنكم قتلتم الطيار والشرطة فقاطعة الرفيق هادي بان الدفاع سياسي وان الذين قتلوا كانوا يدافعون عن كيان السلطة ولم نقتلهم نحن بل قتلوا برصاص الشرطة لسوء التنظيم وليس لنا اي دخل او علاقة بقتلهم. اما نحن فقد دافعنا عن انفسنا وعن شعبنا فكيف تتهمنا بالعمالة لإسرائيل.
دار حديث طويل بيننا وبين رئيس المحكمة والمدعي العام الذي طلب بإعدامنا على وفق المادتين المرقمتين 80 و240 من قانون العقوبات البغدادي.
انتهت الجلسة الثانية واعادونا الى الغرفة السوداء تحت حراسة مشددة وفي الغرفة استرجعنا ما دار من حوار في الجلسة، في المساء قررنا حفظ النشيد الشيوعي والتمرن على انشاده وقت الحاجة. وفي اليوم الثالث كان انعقاد الجلسة وقد تم احضار جميع الشهود من افراد الشرطة للإدلاء بشهاداتهم بما فيها رفيقنا لفته الذي تعاون معهم في التحقيق والذي شخص من الذي اسقط الطائرة وقتل الطيار وقتل الشرطة وثبت جملة من القضايا الخافية على الهيئة التحقيقية والمحكمة والتي انكرناها جميعها وفي هذا الجلسة طالبنا رئيس المحكمة بوجوب توكيل محام للدفاع. ثم اعادونا الى الغرفة السوداء. وقضينا ما تبقى من النهار بلعب الشطرنج اما في الليل فكانت الاناشيد والاغاني والمطاردة الشعرية هي لهونا. اعتدنا النوم في هذه الغرفة عند الثالثة صباحا وذلك لشدة الحر. وكانت الغرفة قد جمعت كل مزعجات الحياة فكنا نجد صعوبة في الجلوس بسبب تصبب العرق منا فكنا ننتقل في الغرفة لكي نحرك هواء الغرفة وحين ترتفع درجة الحرارة قليلا عن منتصف النهار كنا نفضل الموت على الحياة فيها. كان هذا المكان معتقلا ايام شباط الاسود 1963 وهو يحتوي على اكثر من 15 غرفة وكل غرفة تسع لأكثر من ثلاثين سجيناً. ابلغنا من قبل كاتب المحكمة بتأجيل المحاكمة لمدة عشرة ايام لحين وصول جواب عائلاتنا على طلب المحكمة لهم بتوكيل المحامين.
وفي اليوم الثاني استدعيت من قبل الهيئة التحقيقية وعند وصولي شاهدت الخائن عبد الامير عبد الواحد يونس الركابي وجدته جالسا على احد المقاعد في غرفة التحقيق وبعد ان حضرت امام الهيئة اخبرني رئيس الهيئة بان هناك خبرا يدل على كونك مسؤولا حزبيا عن منطقة الاهوار ومنظمة الشطرة. قلت للمحقق ان هذا الادعاء كاذب لأني كنت هاربا من سجن الحلة فمنذ متى اصبحت مسؤولا بهذه الدرجة. عرفت بان الذي ادلى بهذه المعلومة هو عبد الامير وبعد حديث طويل قال لي رئيس الهيئة ان لدينا معلومات تثبت انك مسؤول حزبي في الحزب الشيوعي العراقي وانك كادر متقدم من كوادر الحزب ولك المعرفة بالكثير من المنظمات الحزبية وتعرف الكثير من الشيوعين فعليك الاختبار بين امرين اما الاعدام او التعاون معنا وتسليمنا جميع المعلومات التي تعرفها اخبرته انني ليست لي معرفة باي شيوعي خارج السجن عدا المتواجدين في السجن والذين تعرفت عليهم واني كنت سجيناً ومنذ فترة طويلة ولا اعرف سوي اني حملت السلاح ضد السلطة وهنا بصق بوجهي وطلب من الحرس اعادتي الى الغرفة. وصلت رفاقي واخبرتهم بالأمر واخذنا نضحك من هذا الخائن واخذ بنا الحديث حول ضرر الجبان على منظمات الحزب اذ ما اعترف بكل شيء فهو يعرف الكثير من الشيوعين وقد اختفى في بيوتهم لفترة من الزمن. في ذلك اليوم راينا من ثقب الباب بعض الاشخاص الذين سبق لي والتقيت بهم في موقف السراي في الناصرية وهم من جماعة اللجنة المركزية ومنهم موقوفون وقد جاءوا الى الديوانية لغرض التحقيق معهم. في اليوم الثاني مثلت امام الهيئة التحقيقية فسألني رئيس الهيئة حول معرفتي بهؤلاء الاشخاص فأنكرت معرفتي بهم ولكنه اصر على اني اعرفهم وأنهم شيوعيون. انكرت ذلك وجاء بدليل آخر وقال: انك من الناصرية وهم من الناصرية فكيف لا تعرفهم. قلت له: كنت سجيناً ولا اعرف احد.
بعد ذلك عدت الى الغرفة واخبرت رفاقي بالأمر. هذه المعلومة اوصلها الى هيئة التحقيق الجبان لفتة. في الليل الجو حار جداً وكان وضعنا سيئا للغاية اتفقت مع احد الرفاق بان يمثل دور المغمى عليه ويتمدد على ارضية الغرفة وانا اخبر الحرس عن حالته وتمت المسرحية وفتح باب الغرفة واخبرتهم بانه سقط من شدة الحر. فقام رئيس الحرس بفتح الباب على مصراعيه وجلب لنا ماء بارد وكانت هذه اول مرة نشرب فيها الماء البارد. بقى الباب مفتوحاً اكثر من خمس دقائق وقد دس لنا امر الحارس سجارة واحدة من نوع اللف فتقاسمناها نحن الاربعة اما رفيقنا الخامس فلم ينال حصة من السيجارة لأنه كان مغمى عليه. بعد ذلك استيقظ رفيقنا وادخلوه الغرفة واغلق الباب من جديد وقد تغير جو الغرفة قليلا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة