دولة الرئيس!

لا يختلف اثنان على ان منصب المستشارة الالمانية مثلاً، او الرئيس الفرنسي، هو اكثر اغراء الف مرة من منصب أي رئيس عربي، سواء في تونس او العراق او السودان، ام في أية دولة عربية أخرى، فالرؤساء هناك يحكمون بلداناً بلغت من الوعي الديمقراطي ما لا يمكن ان نبلغه بعد خمسين سنة ضوئية، وحققت من الاستقرار والحرية والازدهار والتقدم ما يجعل شعوبنا المكبلة بمفردات البطاقة التموينية والقطع المبرمج وحمايات المسؤولين، تندب حظها العاثر وتتمنى لو انها ولدت تحت جسر لندن وتسكعت في شارع الشانزليزيه بدلاً من ولادتها فوق جسر الشهداء، وتسكعها في شارع (مدير الامن) عند حي الغزالية، وقبل هذا، وربما اهم من هذا فان رؤساء تلك الدول الديمقراطية المحسودة، لا يخافون من الانقلابات العسكرية ولا يشغل بالهم البيان رقم (1) الذي ينتهي اما بإعدام دولة الرئيس او سحله في الطرقات العامة!
لو تأملنا هذه المقارنة البسيطة على عجل، فسوف يبدو امراً غريباً ان الرئيس الهولندي او السويدي، او أي رئيس في هذه البلدان( المحترمة)، لا يتمسك بالحكم، ويتعامل مع موضوع التداول السلمي للسلطة وكأنه يتابع فلماً كوميدياً عابراً، في حين ينظر دولة الرئيس في وطننا العربي الكبير من المحيط الهادر الى الخليج الثائر الى مسألة الحكم على انها مسألة كرامة، او كأنها (مسألة شرف) لا يمكن التعامل معها او التنازل عنها، والواجب (الشرعي) يقضي الموت دونها، لان الشرف الرفيع لا يسلم من الاذى حتى يراق على جوانبه الدم، ولذلك حين يصل الواحد منهم الى الكرسي عن طريق انقلاب او انتخابات مزورة او دبابة امبريالية، يتمسك بمقعده ولا يغادره، لا بعد عام ولا عامين ولا ولاية ثالثة ولا عاشرة، وان اضطر الى مخاصمة اقرب مقربيه، بل حتى لو اضطر الى مقاتلة الدبابة التي نقلته الى القصر!
والفرق بين زعمائهم وزعمائنا لا تقف عند هذا الحد، فرئيسهم لا يحترم احداً قدر احترامه لأبناء شعبه، واحترام كلمته وما يقرره وان كان القرار بالضد او يقضي بإبعاده، ودولة الرئيس عندنا (إلا من رحم ربي) يتلذذ عندما يعير شعبه بالحافي مثلاً وانه هو الذي علمه كيف يلبس (القندره)، ودولة الرئيس عندنا يشعر بالزهو والتباهي حين يصف ابناء شعبه انهم فقاعة، يشعر ببطولة نادرة اذا هددهم بقدرته على فتح ابواب جهنم عليهم، وقمة سعادته حين ينثر الرصاص في اجسادهم بدم بارد… زعماؤهم لا يعرفون الكذب، وزعماؤنا (الا من رحم ربي) لا يعرفون الصدق …. آه يا احبة الروح، ينتابني حرج كبير لأنني عراقي!!
حسن العاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة