مجرد أصباغ، أم مسؤولية ورسالة نبيلة؟

اللوحة التشكيلية اليوم..
الحسن ملواني ـ كاتب وتشكيلي
من المغرب:

الكثير من الملتقيات والمعارض والمهرجانات تبرز كون الفن التشكيلي و بنسب كبيرة جدا يسبح في التجريد بحثا عن الجمال وبحثا عن الإبداع بعمقه وإثارته، إلا أن الملفت هو أن جل الأعمال المعروضة والمنجزة تكاد تخلو مما يشي بالأزمات التي نكتوي بويلاتها ونيرانها، وكأنَّ هناك فاصلا سميكا بين معاناة الأمة العربية والإسلامية وما تنسجه أنامل المبدعين من لوحات يرومون لها جمهورا يقبل عليها وهو يجد فيها بعضا من خلفياته وطموحاته وأحلامه.
في المعارض تجد جنوحا نحو استباحة التشكيلات اللونية بعشوائية الواثق من أهمية المنجز في الوقت الذي ننتظر منه جمهوره أن يقاسمه بلاياه ومعاناته الممتدة على أوصال وصدر كثير من البلدان: قتل واغتصاب ونفي وتخريب وتهريب وتهجير وتهديد وتنغيص وحرمان …ألا يستحق كل هذا استنكارا في المقالة والقصة والرواية واللوحة والمسرحية …؟ من هنا تتبدى مشروعية التساؤل حول أهمية الفنون ومنها التشكيل عبر انخراطها في عالم الإنسان في علاقته بهمومه وأحلامه ومنغصاته اليومية …ومن هنا نعتقد اعتقادا جازما كون الفن الحقيقي ما يلتزم بتجسيد ما يحيط بالإنسان من قضايا لها صلة بحريته وأمنه وأحلامه، مما يمنحه المشاركة في التغيير والتعبير بغية التمتع بالحقوق والقدرة على أداء الواجب.
فالفن التشكيلي ليس أصباغا وبقعا لونية بلا روح تربطها بعالم الإنسان وبعمق أفراحه وأتراحه، و التشكيلي الحقيقي هو الذي يبذل كل ما في وسعه من أجل تعميق تعبيره عن المحيط تعبيرا يضمنه تعاطفه مع المستضعفين والمضطهدين في كل بقاع العالم مادامت الإنسانية هي الجانب المشترك بين كل البشر بغض الطرف عن اللون والجنس والأوطان. فالإبداع في حقيقته وسيلة تحمل ردود الأفعال إزاء الواقع، مما يحوله إلى مقاومة و إعلام بالواقع الكائن والذي ينبغي أن يكون. والعجب أن كثيرا من الفنانين بعيدون كل البعد عن الالتزام بالتعبير عن الخطوب والبلايا وكل ما تعج به الساحة العالمية من تضارب في الإيديولوجيات والانتقامات والإقصاءات والتوجهات، مما يستوجب مواقف جلية اتجاه ما يجري بصورة جمالية تعمق الشعور به. والمتأمل في أغلب ما ينجز تشكيليا يلاحظ وكأنه لم تعد صلة اللوحة التشكيلية بالحياة و المجتمع، وأعتقد حسب محاورتي لبعض الفنانين أن الالتزام صار مسالة ينظر إليها على أنها تكبل الفن و تطوقه وتحكم عليه بالضيق والمحدودية المناقضة للإبداع. والحال أن الإبداع عليه أن يكون مساندا لمهنة المتاعب، فيعري الواقع ويطرح الحقائق، ويحبذ ويستنكر، ويدعو، ويشجع …
من هنا يستعيد التشكيل والإبداع عامة أهميته وغايته الأساسية المتمثلة في المساهمة في التفسير والتغيير. وبالرجوع إلى موقف الإسلام من الفن يتضح معنى الالتزام وأهمية الفن المتمثلة في الهدف والغاية المنتظر تحقيقها عبره، وإلا فإنه مضيعة للوقت والعمر ليس إلا. فما جدوى لوحة تشكيلية تطلبت تكاليف مادية وجهدا، ولا تجسد شيئا من واقع الإنسان المخاطَب بها؟ ماذا تضيف إلى كيانه إن لم تعالج مشكلا أو تقارب ظاهرة أو تجلي أمرا مبعدة إياه عن الوهم والأكاذيب…؟ ماذا تعني له لوحة تبلبل فكره بدل أن تمتعه وتجعله قريبا من الجمال و التعايش واحترام الآخر..؟ ومن هنا نرى وجوب التحري والتوجيه نحو الاتجاه الملتزم الذي يمكaن اللوحة التشكيلية من استعادة دورها ورسالتها حتى تعني شيئا للفنان وجمهوره بدلا أن تؤزم العلاقة التواصلية بينهما، مما يجعل الفنان يحتاج إلى من يتواصل معه ولا يجده ومن هنا الأزمة التي نتخوف من أن تصيب التشكيل كما أصابت الشعر انطلاقا من مئات الدواوين وآلاف النصوص المنغلقة على نفسها كي تصير ألغازا وطلاسم لا مفتاح للدخول إلى عالمها.
وما يؤكد أهمية الالتزام في جميع الفنون خلود الأعمال المجسدة لمعاناة وآلام الشعوب، فأشعار محمود درويش ونزار قباني والفيتوري ماتزال تنبض بالحياة وتردد في المدارس والمنازل والحقول والشوارع، واغاني مارسيل خليفة ماتزال حية عالقة بالذاكرة، ولوحات أسماعيل شموط وفتحي غبن، وخالد نصار، ورسومات نجي العلي ومنال أبوصفر وغيرهم من التشكيليين الفلسطينيين والعرب قدماء ومعاصرين شاهدة على كون الالتزام هو المخلد للفن، والمانح للحياة والتواصل لمعطياته. فقد ظهرت على مرّ العصور ممارسات فنية عديدة لعب فيها الألم والمعاناة الانسانية دورا مهمّا في ترجمة الأحداث وتحديد ملامح وخصوصية الفنون. وقد ظهرت هذه الممارسات لتؤكّد أنّ علم الجمال الفني يتحوّل ويتجدّد باعتباره ثمرة ابداع الفنان ونتاج واقع معاش دفعت الى تطوره كما أسبغت عليه سمات التجديد وربطته بالفكر المعاصر، فكان أن ارتبطت الذاكرة والمشاعر الانسانية بالمنجز التشكيلي، فتغيرت وتلوّنت التعبيرات والممارسات التشكيلية. وخير دليلنا ما يضجّ به تاريخ الفنون التشكيلية من اتّجاهات تشكيليّة متعدّدة ومتنوّعة عملت ومازالت تعمل على تنوّع واختلاف المذاهب الفنية التي أسهمت عبر أشكالها التعبيرية والفنية بتفعيل الاتجاهات التي واكبتها لتصبح صنوان يتبادلان التأثير ويؤثران في بعضهما البعض، فتأسّست في ضوء ذلك مقاربات جماليّة شكّل فيها الألم هاجسا ترجم من خلاله الفنان الأحداث والملامح الخصوصية للفن في مرحلة بعينها. «
فهل اللوحة التشكيلية أصباغ وخطوط وكفى؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة