الأخبار العاجلة

موازنة 2016 وشد الأحزمة على البطون

علي صابر محمد *

يوماً بعد يوم تزداد الاجتماعات ويرتفع منسوب المناقشات للمزيد من الدراسات وطرح مقترحات ذوي الاختصاص بشأن الموازنة القادمة ونحن نقترب من نهاية عام 2015 فلا بد والحالة هذه من اقرار والمصادقة على موازنة عام 2016 للعمل بموجبها مع بداية السنة الجديدة ، وجميع المعطيات تشير الى أنها ستكون موازنة سلبية لا يمكن لها تلبية الحاجات الاساسية للدولة لذا فأن التصريحات بأنها ستكون للرواتب فقط لم تأتِ عبثا وان أرقام الايرادات المتوقعة هي التي ستتحكم بأبواب الموازنة وحجمها ومدياتها ، فما دام اعتماد الدولة على مبيعات النفط وان 95% من ايرادات الموازنة متأتية من هذه القناة وعدم وجود ايرادات اخرى من مصادر متعددة وما زالت العقلية الاقتصادية السائدة هي عقلية استهلاكية بحتة لم تفكر بالطرق الاخرى لتطوير الناتج المحلي وتطوير القطاعات الزراعية والصناعية وخلق مصادر دخل جديدة للدولة وما دامت المصالح السياسية تتغلب على المصالح الاقتصادية للبلد وما دامت القيادات السياسية متناحرة ولا توجد قواسم مشتركة فيما بينها لأنتشال العراق من هذه المحنة فلن تكون الموازنات المقبلة بأكثر من تسديد الرواتب فقط هذا اذا تمكنت بالمستقبل القريب من توفير هذه الرواتب لأن مؤشرات سوق النفط في تراجع مستمر يصاحب ذلك استمرار شراهة الاستهلاك وعدم الاقدام على أية خطوة بديلة لتعظيم الموارد .
ان ما أقدم عليه البنك المركزي من تخصيص مبالغ بحدود نحو ثمانية ترليونات دينار عراقي لتنمية المشاريع الصغيرة تعد خطوة صحيحة ان تزامت مع قرارات لتحمي الانتاج المحلي وذلك بغلق الحدود أمام السلع المستوردة وعدم التهاون مع المتلاعبين بهذا الخصوص فما قيمة هذه المبالغ لأصحاب المشاريع أذا كانت سلعهم المنتجة محليا تنافسها في السوق سلع مستوردة وبسعر أقل وبجودة عالية وقد أتخمت أسواقنا بها ؟ وما قيمة القرض الذي يتقاضاه الفلاح من الدولة لزراعة أرضه وخاصة في موسم الصيف حيث الفواكه والخضروات المحلية التي كانت تغذي العراق وتسد الحاجة نراها اليوم في تراجع مستمر وان مثيلاتها المستوردة قد غزت السوق وباسعار تنافسية من دون حسيب أو رقيب ؟ ألم يفكر المسؤول يوماً عندما يرى الرقي المستورد قد ملأ جميع المحلات بطول العراق وعرضه وحتى في الطرقات وأختفاء كامل للرقي المحلي من السوق في الوقت الذي كان العراق يصدر هذا المنتج الى دول الخليج ولأكثر من عقد ؟ ثم كيف يتسنى للفلاح من أدامة أرضه واستعمال وسائل ري حديثة وهو يفتقر الى الطاقة أو أنها تكلفه مبالغ طائلة لا تغطيها مبيعات غلاته ، وما قيمة القرض الذي يتقاضاه الصناعي لتطوير مصنعه مع عدم توفر الكهرباء لتشغيل ماكنة الانتاج وان أستعان بمولدات خاصة فأن اسعار الوقود مكلفة جداً وان السلع المنافسة المستوردة أفضل من أنتاجه وأرخص ، لذا فان جميع هذه القروض سوف لن توظف للأغراض التي من أجلها منحت هذه القروض وسيذهب معظمها الى الاستهلاك وبطرق شتى ما لم تصدر القرارات التي تحمي الصناعة والمنتج الزراعي الوطني حتى لو اقتضى من المواطن التضحية بتقبل هذه الشحة من المواد وشد الاحزمة على البطون لكي يسهم الجميع بأعادة الحياة للماكنة الانتاجية الوطنية وريثما تجد السلع المحلية مكانها الطبيعي على رفوف المتاجر وما لم يكن للمواطن دور في مواجهة هذه الازمات فلن تتمكن الحكومات وحدها من مواجهتها فعندما طلب غاندي من الشعب الهندي مقاطعة القماش الاجنبي واعتماد القماش المحلي سارعت الجماهير الى تنفيذ ذلك بقلوب عامرة وايمان ثابت بصحة القرار فاصاب المستعمر البريطاني في الصميم وخلق جوا صحيا للمصانع الوطنية لكي تأخذ دورها في عملية التنمية والهند تعتبر اليوم من الدول الصناعية العملاقة ، اما الصين فتجربتها أكثر حيوية وقوة في تسخير الجهد البشري وعدم الاعتماد على التكنولوجيا التي تحتاج الى رؤوس الاموال في عملية البناء والاعمار وبدأت من الريف والانتاج الزراعي ثم الصناعة الزراعية وهكذا وخلقت بذلك تكنولوجيا خاصة بها تقف بالضد من المصانع الغربية وتنافس سلعتها جميع منتجات العالم
ان العمل على توجيه الاقتصاد العراقي نحو اقتصاد السوق لا يعني فتح الحدود لجميع السلع للدخول الى الاسواق العراقية فحماية المنتج الوطني حق تمارسه جميع الدول النامية و الرأسمالية والتي ينظم حياتها الاقتصادية قوانين السوق الحرة ، وتنظيم الاقتصاد العراقي يصبح أكثر من ضرورة خاصة بعد هذا التشويه الذي أصاب السياسة الاقتصادية للبلد من خلال عدم فهم وادراك آليات التحول من الاقتصاد الشمولي الى اقتصاد السوق ، وهذا الانفلات الذي نشاهده باغراق السوق بالسلع المستوردة وغير الضرورية ما هو الا هدر لثروات البلاد وضياع لفرص التنمية المستدامة ، فمثلا بدل فتح باب الاستيراد لسيارات النقل العام وبنحو مفرط وحتى بلا دراسة لطاقة وأستيعاب الشوارع لم لا يتم منح القطاع الخاص فرصة استيراد مجرد المحرك وجزء من هيكلها ( نصف مصنعة )على ان تتولى العمالة العراقية اكمال الهيكل والمقاعد وبقية المستلزمات لتنشيط المحلات العراقية الصناعية كما كان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وتجربة العراقيين مع باصات الخشب وانجازات الحي الصناعي في النجف الاشرف وابداعات العقل العراقي ما زالت ماثلة في الاذهان وكذلك بالنسبة لمعامل الخياطة والمصانع الاخرى منحها حق استيراد المواد نصف المصنعة وتعفى من الرسوم الكمركية وتلزم بتشغيل معاملها مع حماية لمنتجاتها والشيء نفسه بالنسبة لمعامل الالبان فهل من المنطقي ان يستورد بلاد النهرين مياه الشرب من الكويت التي لاتمتلك نهراً ؟ وهل من الصواب ان يستورد بلاد أرض السواد والثروة الحيوانية مشتقات الحليب من السعودية وهي الجزيرة الجرداء القاحلة ؟ وهل من الانصاف ان يستورد بلاد النخيل التمر من ايران ؟
ان موازنة 2016 لم تلتفت الى القطاع الخاص ومعالجة مستحقاته لدى دوائر ومؤسسات الدولة ونعتقد بأن ذلك يشل حركة القطاع ويعوق تقدمه وأفضل قرار وخطوة تقدمها الدولة كتعويض عن هذا الاجراء التعسفي هو توفير الحماية للمنتوجات الوطنية ومنع استيراد السلع المشابهة للسلع المحلية وسينهض القطاع الخاص معتمداً على امكانياته الذاتية والعقلية الادارية الناجحة التي يمتلكها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة