مقدسة ..لكن ليست نظيفة!

لايمكن كبح جماح القادة والزعماء عندما تتلبسهم نوازع العظمة والقوة ..وعندما يدركون انهم اصبحوا في ميادين التحدي امام اعدائهم ..وتصبح المهمة امامهم قضية كرامة او رد اعتبار.
ويحفل التاريخ الانساني بقصص شتى عن خوض الحروب والايمان بخوضها على انها حرب مقدسة.
ولطالما كانت الحروب الدينية سائدة في القرون الوسطى وكان الدين المحرك الرئيسي لاندلاعها ثم عدت الحروب الصليبية بالنسبة للكنيسة حرباً مقدسة ..وقبلها كان الجهاد والفتوحات الاسلامية في بلاد الشرق والغرب بالنسبة للولاة والامراء وقادة الجيوش الاسلامية حرب مقدسة.
ومادامت معايير القداسة ومفاهيمها تتباين تبعًا للأديان والمعتقدات فلا يمكن حسم وتقييم شرعية هذه الحروب من عدمها الا بتجريدها من المصالح القومية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومع ظهور الدول المدنية اضمحلت كثيراً حروب القداسة الدينية وحل محلها الحروب القومية والهيمنة الاقتصادية وشهدت دول اوروبا حربين عالميتين راح ضحيتهما الملايين من البشر ..وبقي مفهوم الحرب المقدسة يدغدغ مشاعر الكثير من القادة والزعماء وامراء الحروب في اوروبا وآسيا وافريقيا والولايات المتحدة الاميركية انطلاقًا من دوافع دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية .. لقد اعلن اسامة ابن لادن الحرب على السوفييت اواخر الثمانينيات وانضم اليه مئات الالوف من (المجاهدين ) العرب والافغان وقدمت له الولايات المتحدة الاميركية والسعودية وبعض البلدان الاوروبية الدعم وعدت حربه ضد السوفييت حرباً مقدسة.
ثم انقلب بن لادن على الولايات المتحدة الاميركية واقدم اتباعه في تنظيم القاعدة على شن هجمات الحادي عشر من ايلول على برج التجارة العالمية في نييورك واحدثوا دماراً هائلا لم يصبر امام مشاهده الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش كثيراً واطلق عملية واسعة وصفها بالمقدسة اطاح فيها بحكم طالبان وطارد زعيم تنظيم القاعدة في كهوف (تورا بورا) في الجبال والوديان ردًا للاعتبار وانتقاماً لمقتل الاف الاميركيين ولطالما عدّه اليهود حروبهم لتثبيت حدود دولتهم التي اغتصبوها بقوة السلاح حرب مقدسة ..ولايسع المجال لذكر الكثير من الشواهد في التاريخ عن الذين اطلقوا على حروبهم (المقدسة) ..واخرهم الرئيس فلاديمير بوتين الذي وصف اعلان بلاده الحرب على تنظيم داعش في سوريا بالحرب المقدسة .
وقد يتفهم من يقرأ التاريخ في الماضي والحاضر قداسة الايمان ومايعتقد به القادة والشعوب من اجل شرعنه المشاركة في هذه الحروب ولكن الحقيقة الثابتة بأن هذه القداسة لا تخلو من ( قذارة ) المصالح والحلم بالزعامة والطموح بالتوسع والرغبة بالاستئثار ….الحروب النظيفة فقط هي حروب الاوطان والشعوب من اجل التحرر والدفاع عن مقدساتها وسيادتها وحريتها وكرامتها ورفض تركيعها واذلالها.
اما حروب السياسة فقد افسدت هالة القداسة في دول الشرق والغرب على حد سواء.
د.علي شمخي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة