الأخبار العاجلة

كلفة مكافحة الفساد

سلام مكي *

في حديثه مع وسائل الاعلام، طرح السيد رئيس الوزراء مسألة في غاية الاهمية، وهي فساد من نوع آخر، فساد محصن بالقانون. هذا الفساد يتمثل بالجهات التي تكافح الفساد. اذ قال: ان الدول تنفق على الجهات التي تكافح الفساد، اكثر بكثير مما تسترده تلك الجهات من اموال! وهذه مسألة خطيرة لم يتناولها احد من السياسيين، ولم تذكر سابقاً في وسائل الاعلام. وهو ما يتزامن مع المؤتمر السنوي لهيئة النزاهة، الذي تكشف فيه انجازاتها في مكافحة الفساد واسترداد الاموال لخزينة الدولة. ان كلام السيد رئيس الوزراء لا يمكن ان يمر مرور الكرام، اذ ينبغي على المؤسسات والدوائر ذات العلاقة، ان تكثف من جهودها في الكشف والتدقيق عن الاموال التي يتم صرفها على جميع المؤسسات والدوائر التي تكافح الفساد ومقارنتها مع التخصيصات الكاملة لها، والمقارنة بين حجم الانفاق عليها وبين ما ترجعه لخزينة الدولة. انها فرصة كبيرة لكي يتم اعادة النظر بتلك المؤسسات عبر تقييم عملها طوال الفترات السابقة. من المعلوم ان الفاسد كظاهرة، وجد بعد التغيير، وكان لابد من استحداث أجهزة رقابية مستقلة لمواجهة تلك الظاهرة، عبر تشريع القوانين والانظمة واستحداث أجهزة جديدة. ومن الطبيعي ان تلك الاجهزة لها سلطات واسعة في مجال عملها كما ان امتيازاتها مقارنة مع الدوائر الاخرى تعد كبيرة، في محاولة لجعلها بمستوى معيشي جيد مقارنة مع الدوائر الاقل اهمية، لصرفهم عن طلب الرشوة او الفساد. فتم تشكيل هيئة النزاهة ومكاتب المفتش العام في كل وزارة اضافة الى ديوان الرقابة المالية. هذه الجهات المستحدثة بعد التغيير، بما تملكه من صلاحيات واسعة وامتيازات وكم من الموظفين والمسؤولين: هل اسهمت بمكافحة الفساد؟ هل ادت واجباتها بصورة صحيحة؟ من حق المواطن العراقي ان يعرف الكيفية التي يتم بها محاسبة الفاسد. حتى يعرف: كيف مازال الكثير من الفاسدين طلقاء، لم تنل منهم تلك الاجهزة؟ وهل ان مكافحة الفساد يتم عبر تعدد اجهزة مكافحته؟ لو جئنا الى ديوان الرقابة المالية، الجهة الرقابية المرتبطة المستقلة، فنجد ان عملها ينصب على تدقيق ومراجعة لجميع ملفات الدوائر واعمالها ونشاطاتها، ومطابقها للقانون، فإذا وجدوا ان هناك خرقاً قانونياً، فسوف يرفعون تقريرهم الى الجهات العليا. وينتظرون المرحلة التالية. أما جهاز المفتش العام، فوظيفته مراقبة الموظفين الصغار، ومدى التزامهم بالدوام اليومي وساعات الخروج وغيرها. تقول المادة 4 من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31) لسنة 2011 : يسعى الديوان لتحقيق الاهداف التالية :-
اولاً- الحفاظ على المال العام من الهدر او التبذير او سوء التصرف وضمان كفاءة استعماله.
ثانياً- تطوير كفاءة اداء الجهات الخاضعة للرقابة
ثالثاً- المساهمة في استقلالية الاقتصاد ودعم نموه واستقراره
رابعاً- نشر انظمة المحاسبة والتدقيق المسندة على المعايير المحلية والدولية وتحسين القواعد والمعايير القابلة للتطبيق على الادارة والمحاسبة وبنحو مستمر. هذه الصلاحيات المقتصرة على التدقيق، لا تستلزم ان تمنح موظفي هذه الجهات امتيازات مالية تفوق كثيرا امتيازات الموظف في الدوائر الاخرى، كما بالإمكان ان تقوم هيئة النزاهة بتدقيق سجلات الدوائر بنفسها من دون الحاجة الى جهة ثانية. فنص المادة 16 الذي يقول: يلتزم الديوان بأخبار الادعاء العام او هيئة النزاهة او الجهات التحقيقية المختصة كل حسب اختصاصه لكل مخالفة مالية يكتشفها اذا ما شكلت جريمة. يستدعي السؤال: الا يمكن ان تقوم هاتان الجهتان بالكشف عن المخالفات المالية بنفسيهما؟ هل هناك ضرورة لتقسيم العمل الى مراحل متعددة وكل مرحلة تقوم بها جهة مستقلة عن الاخرى؟
أما قانون المفتش العام، المرقم 1 لسنة 2011 فنص في المادة5 على: اولا :- يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة ملايين دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من منع او حاول منع المفتش العام أو احد موظفي مكتبه من القيام بإجراءات التحقيق أو التدقيق او التفتيش أو المراجعة بأي طريقة كانت ، أو منعهم او حاول منعهم من الوصول إلى الأماكن أو السجلات أو الوثائق أو البيانات او المعلومات التي يتطلب عملهم الوصول او الحصول عليها .
ثانيا :-
تختص هيئة النزاهة بالتحقيق في الجريمة المنصوص عليها في البند ( اولا ) من هذه المادة .
فهذا يعني ان اختصاصاته التحقيق والتدقيق والتفتيش فقط. وهي صلاحيات واختصاصات هيأة النزاهة نفسها! ومنح هذا القانون في المادة 4 مخصصات وامتيازات منها: للمفتش العام منح العاملين في مكتبه المخصصات التالية استثناءً من الحد الاعلى للمخصصات المنصوص عليه في المادة ( 16 ) من قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم ( 22 ) لسنة 2008 :-اولا:- مخصصات ( رقابة ) لا تتجاوز نسبتها ( 50 % ) من الراتب أو الأجر .
ثانيا:- مخصصات ( منع مزاولة مهنة خارج أوقات الدوام الرسمي ) لا تتجاوز نسبتها ( 50 % ) مـن الراتب أو الأجر .
ثالثا:- مخصصات ( نقل ومهام خاصة ) لا تتجاوز نسبة أي منها ( 30 % ) من الراتب أو الأجر . وغيرها من الامتيازات التي منح للمفتش العام نفسه. وهذه موجودة في جميع الوزارات. اما قانون هيئة النزاهة رقم30 لسنة2011 فأعطى في المادة 3 منه الكثير من الصلاحيات التي تمكن الهياة من محاربة الفساد والكشف عن المفسدين منه التحقيق والتدقيق والتفتيش. فهل هناك حاجة لوجود جهتين أخريين تمارسان مهامهما؟ لماذا لا يقتصر التفتيش او الرقابة على جهة واحدة؟ كما ان وجود ثلاث جهات رقابية تمارس الاختصاصات ذاتها: هل أسهم بالحد من عمليات الفساد؟ هل ان اسناد العمل الى جهة واحدة سيزيد من حالات الفساد؟ ام سيقلل منها؟ ان مكافحة الفساد الحقيقية، لا تكون عبر كثرة الجهات التي تحاربه، وانما من خلال تفعيل نصوص القانون والاكتفاء بجهة واحدة مع منحها صلاحياتها بالنحو الصحيح والكامل. وعلى هذا الاساس، فإن كلام رئيس الوزراء حول تكلفة الجهات التي تحارب الفساد صحيح، ذلك ان امتيازاتها الكثيرة لا يمكن تغطيتها بأي أموال يمكن ان تعيدها للخزينة، فلو الغينا تلك الجهات وبقيت الاموال بيد الفاسدين، لكان البلد رابحاً!

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة