ماذا يحصل للمنطقة ؟

علي صابر محمد

تتزاحم القطعات العسكرية والطائرات ومنصات اطلاق الصواريخ والمدافع الحديثة الروسية لتأخذ مواقعها في سوريا لمحاربة داعش والتنظيمات الارهابية ومخاوف اسرائيلية من احتمالية التقاطع بين الطيران الروسي والاسرائيلي لدى تنفيذ الواجبات القتالية يصاحب ذلك ترحيب أميريكي لدخول روسيا على خط محاربة الارهاب من جانب وتصريحات أميريكية أيضا قلقة بشأن الدعم الروسي الكبير لبشار الاسد من جانب آخر ، وفي العراق تشير الانباء بتوقف الطائرات العراقية عن تنفيذ واجباتها في الانبار عملياً وتوقف القطعات البرية والحشد الشعبي من التقدم حيث تتوافد القطعات الاميريكية لتتواجد على الارض في أطراف الانبار بنحو غير معلن وتنشط مدفعيتها في دك مواقع داعش بالتزامن مع غارات طائرات التحالف في معالجة الاهداف العسكرية لداعش وحسب مقتضيات الوضع الامني يرافق ذلك اتفاقات بين بغداد وموسكو وطهران ودمشق على تشكيل مركز تبادل المعلومات عن الارهابيين كل ذلك يحصل بعد الاتفاق النووي الايراني مع أميريكا وأوروبا أعقبها تبدل كامل لموقف الغرب من النظام في سوريا فبعد أن كان الشرط الرئيسي للدول الداعمة لحملة السلاح من معارضي النظام السوري هو أستبعاد الرئيس بشار الاسد من أي حل سياسي في سوريا يتغير الموقف اليوم الى أن يكون وجود بشار الاسد بالضرورة طرفاً في كل تفاوض سياسي لتحديد مستقبل سوريا وسبق ذلك الاصرار الأعمى من قبل الغرب على عدم السماح لأيران بأن تكون وسيطاً في تقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة في سوريا بوصفها طرفاً غير محايد تجد الموقف قد تبدل الى الاستعانة الكلية بايران لحل الازمة ، هذه المعطيات توحي اما بوجود صفقة بين روسيا وأميريكا لتقسيم المنطقة بالقوة ورغماً عن أنف شعوبها وحسب مصالح هذه الدول العظمى مع وجود دور مهم لأيران فيها أو أن المنطقة ستشهد صداماً دولياً بين القوتين العظميين وأندلاع شرارة حرب كونية لا تحمد عقباها والأحتمال الاول هو الأرجح
أن دخول روسيا بقوة كطرف فاعل في حل المشكلات السياسية لمنطقة الشرق الاوسط وبطريقة غير مسبوقة يسقط النظرة الاحادية للتسلط الأميريكي في تحديد مسار الأنظمة السياسية لهذه المنطقة خاصة وان السياسة العقلانية والحكيمة التي تنتهجها روسيا وعدم تحزبها لطرف ضد طرف آخر يمنحها القوة والمصداقية في طرح مقترحاتها ورؤيتها للحلول وأثبتت ذلك مرارا في سوريا مقابل التخبط الأميريكي في دعم جهات ومحاربة جهات أخرى لأهداف مبهمة وضبابية لا تنتج غير الفوضى ، وهذا التسارع يبدو لم يحصل لولا المخاطر التي يمكن توقعها بتمدد داعش ونمو هذا الوحش وأنفلات الامر من يد الدول الكبرى ولولا التعب والأعياء الذي أصاب الاطراف المتصارعة والخسائر الجسيمة التي تكبدها الجميع في حروب أستنزفت الكثير من البشر والموارد الاقتصادية وتدمير كامل للمدن والبنية التحتية لهذه الدول فآن الاوان لتقسيم المنطقة ولو على الارض وبالطريقة التي تبقي كل طرف شبه مستقل في الارض التي يسيطر عليها مع أضفاء جو التوافقات والتشريعات المطلوبة لتوزيع الثروات بما يرضي معظم الاطراف مع ضمان بقاء أوراق اللعب بيد الدول الكبرى ، أما دور ساسة المنطقة في هذه العملية فلا يتعدى كونهم بيادق تتحرك لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى للغير وليس للبلد
وفي الطرف الآخر حيث دول الخليج الداعمة والممولة للعنف في سوريا والعراق قد أنغمست في مستنقع الحرب في اليمن ولن تستطيع الخروج منه الا بعد استنزاف قدراتها الاقتصادية وفقدانها للكثير من مواردها البشرية وسيكلفها ذلك كثيراً خاصة وأن العقلية التي تقود الحرب تقوم على أسس طائفية بحتة لا بل أنهم يسعون لفتح أكثر من جبهة وأعلانها حرباً طائفية بامتياز وهذه ذات فضاء واسع تتيه فيه العقول وتضيع كل القواعد والقوانين العقلانية وستشعل المنطقة بنيرانها أما تركيا فقد غامرت بفتح جبهة عريضة مع حزب العمال الكردستاني سيفقد حزب العدالة بموجبه الكثير من جمهوره وسيخسر العديد من مقاعده في البرلمان وسيبدأ العد التنازلي لتهاوي امبراطورية أردوكان والرابح الاقوى في هذا التلاطم من الاحداث هي ايران ، وما أقدمت عليه أميريكا من اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق صب خراجه بجيوب ايران جراء سوء ادارة المحتل للعراق وعدم قدرته على توظيف القدرات والموارد في بناء واعمار البلد وانما انصرافه الى تأليب مكون ضد مكون آخر وخلق بيئة تشجع على التناحر بين المكونات وأيصال الشعب الى حالة من التدهور الاقتصادي وتفشي الفقر والمرض وارتفاع نسب البطالة بسبب توقف عجلة الانتاج وبدل أن يكون المحتل عاملا أيجابياً في الضغط على القوى السياسية المحلية للتقارب والتوافق على النهوض بالبلد اسهمت أميريكا بتفتيت المجتمع وعززت الطائفية المقيتة وهلل القادة الميامين في العراق لهذا التوجه كونه يمنحهم المساحة الواسعة لنشر افكارهم الضيقة ويجمع حولهم كل الجهال والذين تقودهم غرائزهم وهم كثر في بلد يتراجع فيه الوعي العام وتسود فيه الأمية وتختلط فيه الاوراق وتستوي عندهم الانوار والظلم .
ان مجرد ذكر للوجود الايراني في العراق يثير حفيظة البعض ممن تنقصهم البصيرة وبعد النظر السياسي في الوقت الذي نتمنى ان يسلك ساسة العراق السلوك الذي يسلكه قادة ايران في حماية مصالح بلدهم والحرص على أمنه وتقدمه وقدرتهم وثباتهم في مواجهة الغرب للدفاع عن حقوقهم المشروعة بامتلاك القدرة النووية للأغراض العلمية والتطويرية فيا حبذا لو ان قادة العراق يسعون بجد وأخلاص في بناء البلد وتوحيد كلمتهم والوقوف جنباً الى جنب من أجل محاربة الارهاب وعدم التهافت على سرقة المال العام وتسجيل الارقام القياسية في الفساد أمام العالم فايران الجارة تبرهن بأن الطموح المشروع للشعوب يضعها في الصدارة عند توفر الارادة الصلبة والقيادة الحكيمة والنوايا المخلصة والمرحلة المقبلة سيكون لأيران دور مهم في المنطقة علينا التعامل معه باحترام وحسن جوار وعدم التدخل بشأن الآخر والمنفعة المتبادلة وليس بوضع الحواجز العدائية والاحكام القاسية مسبقاً ولننظر الى مصلحة العراق في كل تعامل مع الجيران.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة