الأخبار العاجلة

الحداثة الشعرية في الشعر العربي الراهن

يوسف سامي اليوسف:

لست أرتاب البتة في أن مفهوم الحداثة قد بات مصطلحاً خاوياً في الشعر العربي الراهن، إذ هي تفتقر إلى أي مضمون جوهري على الإطلاق. وليس بخافٍ على أي قارئ خبير بماهية الشعر أن الشاعر العربي الراهن لا يفهم الحداثة إلا بوصفها الشَّكلانية، أقصد عبادة الشكل لذاته، لا لقدرته على الإيحاء والتعبير. ومع أن همَّ الشكل ديمومي في المشروع البشري منذ حضارة نياندرتال (أي قبل مائة ألف سنة من الآن)، فإن النزوع صوب الشكل من أجل الشكل هو الاتِّضاع بأمِّ عينه. إن تخثر أية ثقافة على الأرض، وطوال التاريخ العالمي كله، هو تخثر أشكالها التعبيرية؛ بل قل هو تعبُّدها للشكل من أجل الشكل، لا من أجل محتوياته وطاقاته التعبيرية. والحقيقة أننا اليوم أمام أشكال فنية عجماء، لا تقول شيئاً، لأنها خاوية.
والأشكال الفنية ثلاثة أصناف: شكل يُعلِن ويُبطِن، وهذا هو فن الشرق القديم؛ وشكل يعلن ولا يُبطِن، وهذا هو الفن اليوناني، بل الفن الأوروبي كله، منذ اليونان حتى اليوم، أو قل منذ فيدياس وحتى رودان؛ وشكل لا يعلن ولا يبطن، وهذا هو الشكل الأصم الأعجم الذي تتورط فيه كل ثقافة تزمع على الانحلال. والنمط الأول من الأشكال هو الحداثة، سواء أنتجته العصور الحديثة أم القديمة. غير أن مما هو جدير بالتنويه أن الشعر الأوروبي قد استطاع أن يحقق وثبة نوعية لم يحققها الفن في أوروبا (أقصد النحت والعمارة والرسم)؛ إذ استطاع بالفعل أن ينتج الشكل الشعري الذي يُعلِن ويُبطِن في آن واحد.

ما الحداثة الشعرية؟
في رأئي، إنها مبدآن اثنان: الموحي والرامز. وفي الحق أن الشيئين، لدى النظر من برهة الكثب، وجهان لورقة واحدة.
أما الموحي فهو ذاك الذي يلوِّح ولا يصرِّح، ولكن من دون أن يسجنك في التعمية بعدما يحيل القول إلى ضرب من الأحاجي. يقول عبد القاهر الجرجاني: “إن أنَس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفيٍّ إلى جليٍّ، وتأتيها بصريح بعد مكنيٍّ.” فالموحي هو الخروج من الظلام إلى النور، أو قول هو توليف بين الظلام والنور ودغم لهما في وحدة أرقى. وإذ يفهم الجرجاني الموحي على هذا النحو، فإنه يقوم بفعل افتداء يسوعي، لأن التنافر هو داء البشر، والتناغم هو الخلاص. وههنا بالضبط يلتقي النص الأدبي والنقد الأدبي في نقطة ازدلاف واحدة توحِّد بينهما على نحو تحتاني خفي.
وأما الرامز فهو ما لا تستهلكه التفاسير على الإطلاق. إنه نداء البعيد والعميق. فالإنسان كائن ينادي على الدوام، ولا يملك القدرة على التخلص من نداءاته إلا يوم يَضْمُر خياله ويتقهقر صوب الصُّفورة الروحية. وقد لا أبالغ إذا قلت بأن في ميسور المتأمِّل المستأني، ذي الطاقة الاستبصارية، أن يدبج سفراً من ألف صفحة حول رمزية الهرم الفرعوني، لأن الهرم هو الاحتقاب النهائي لجميع نداءات الإنسان ورعوشه، بل خلاصة رموزه، أو تكثيفها الذي لا تكثيف بعده على الإطلاق.
إذن، يومذاك، حينما كانت الروح البشرية في أوج اكتهالها (اكتمالها)، استطاع الناس أن يطبِّقوا مفهوم الحداثة على أفضل وجه ممكن، وإن هم لم يقدموا أيَّما تعبير نظري عن هذا المفهوم. فمن أفحش الأغلاط الظن بأن الحداثة هي شيء من مبتكرات العصور الحديثة.
وأهم ما في أمر الرامز أنه يتوجه إلى الروح البشري بجملته الكاملة؛ أو قل إنه الطاقة التي تملك أن تنتشر في النفس البشرية كما ينتشر الجهاز العصبي في جسم الإنسان، حتى ليمكن وصفه بقول الشاعر التراثي: “حال في النفس مجال النفس”.
وبإيجاز، فإن الرامز طاقة انتشارية واختراقية في الوقت نفسه، لها القدرة على التغوُّر في الذات حتى تصل إلى ما أسماه الصوفيون “نقطة العقل”، حيث يرخم الله بكامل جلاله وجماله (وفقاً للمعتقد الصوفي).

ومن الشاعر الحديث؟
هو ذاك الذي يفهم الحداثة من حيث هو الموحي والرامز، أو الشكل الذي لا يُعلِن إلا بمقدار ما يُبطِن. ومن لم يكن هذا حاله فليس بشاعر حديث، بل هو في أحسن أحواله فنان من الدرجة الثانية، حتى ولو تَفَيْهَق وتلمَّظ بكلام يحاول أن يوهم المرء بأنه يجيء بأشكال لم يألفها الناس. إن في الإنسان ضرباً من البارومتر القادر على فرز الأصيل عن النغيل؛ بل إن في الروح المعافى بوصلة من شأن إبرتها أن تؤشر صوب الحقيقة على نحو غرزي.
ولعل أدونيس الشاب، أقصد أدونيس مهيار والتحولات، أن يكون أقرب الشعراء إلى مفهوم الحداثة الذي لخَّصتُه للتو. ولعل نتاجات بودلير ومالارميه ورامبو أن تكون أحسن نماذج الحداثة في هذه العصور الأخيرة.
لقد اعتدت أن أصف شعر نزار قباني وسعيد عقل وسواهما بصفة أُلخِّصها بهاتين الكلمتين: “الخواء الأنيق”. أما شاعر العقد التاسع من القرن العشرين، وهو من يزعم أنه شاعر حديث، فأملك أن أصفه بأنه منتج “الخواء المهذار”. إنه شاعر مزوَّر، تماماً مثل سياستنا المزوَّرة، بل حتى مثل وجودنا العربي المزوَّر.
ولكن، لابد من التوكيد على أن ثمة استثناءات تستحق شيئاً من الاحترام؛ إذ لا ريب في أن ناموس الاستثناء دائم الفاعلية في الحياة البشرية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة